فهرس الكتاب

الصفحة 3182 من 4219

وليست هذه المنزلة العليا في الدنيا إلاَّ منزلة الدعوة إلى الله، ووراثة وظائف النبوة، التي ليس أشرف منها إلاَّ منزلة النبوة نفسها، وهذا الإمام أبو الفرج بن الجوزي - رحمه الله تعالى - يناديك:

"ألست تبغي القرب منه؟ فاشتغل بدلالة عباده عليه، فهي حالات الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -، أما علمت أنهم آثروا تعليم الخلق على خلوات التعبد، لعلمهم أن ذلك آثر عند حبيبهم". و"هل كان شغل الأنبياء إلاَّ معاناة الخلق، وحثهم على الخير، ونهيهم عن الشر"اهـ.

وهاهو - رحمه الله - يقارن بين الشجعان الذين يخالطون الناس لدعوتهم، ويصبرون على أذيتهم، وبين المتخاذلين المعتزلين القاعدين عن الدعوة إلى الله - تعالى -، فيقول:

"الزهاد في مقام الخفافيش، قد دفنوا أنفسهم بالعزلة عن نفع الناس، وهي حالة حسنة إذا لم تمنع من خير، ومن جماعة واتباع جنازة وعيادة مريض. إلاَّ أنها حالة الجبناء. فأما الشجعان فهم يتعلمون ويعلمون. وهذه مقامات الأنبياء عليهم السلام".

ويقول الشيخ عبد القادر الجيلاني وهو في شيخوخته: من كملت معرفته لله - عز وجل - صار دالاًّ عليه، يصير شبكة يصطاد بها الخلق من بحر الدنيا، يعطي القوة حتى يهزم إبليس وجنده، يأخذ الخلق من أيديهم. يا من اعتزل بزهده مع جهله؛ تقدم واسمع ما أقول، يا زهاد الأرض تقدموا. خربوا صوامعكم، قد قعدتم في خلواتكم من غير أصل، ما وقعتم بشيء، تقدموا"."

وكذلك فهم العالِم العامل، وإن كلماته ليهتز لها القلب اهتزازًا. هكذا كان شأن الدعاة دومًا، وعلى داعية اليوم أن يكون رحالة سائحًا في محلات مدينته، ومدن قطره، يبلغ دعوة الإسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت