انظر مثلاً كيف كانت رسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تسيح في البوادي تبلغ الأعراب كلمة الإسلام، وتبشر به، ولم يكن ثمة انتظار ورودهم إلى المدينة، ألاَّ ترى أن الأعرابي الذي سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أركان الإسلام، فلما أخبره بها وقال:"لا أزيد عليهن ولا أنقص"كيف كان قد بدأ سؤاله بأن قال للنبي - صلى الله عليه وسلم:"يا محمد! أتانا رسولك، فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك؟".
أتاهم رسوله داعيًا، وكذلك الناس تُؤتى، ومن انتظر أن يأتيه الناس فليس بداعية، ولو فصَلت كلمة هذا الأعرابي، لتبين لك كيف فارق هذا الصحابي الداعية المدينة لما أرسله النبي - صلى الله عليه وسلم - لقوم هذا، وكيف فارق أهله وبيته وأولاده، وكيف اجتاز المفاوز وصحراء من بعد صحراء، وكيف تعرض للمخاطر والحر أو البرد، ليبلغ دعوة الإسلام.
وهذا شأن الدعوة التي تريد أن تصل إلى أهدافها، لا بد من تحرك ومبادأة وغدو ورواح وتكلم، ليس القعود والتمني من الطرق الموصلة، فافقه سيرة سلفك وقلدهم، تصل، وإلاَّ فراوح في مكانك، فإنك لن تبرحه .."."
ويروي لنا التابعي الكروفي، الفقيه النبيل، عامر الشعبي، أن رجالاً"خرجوا من الكوفة، ونزلوا قريبًا يتعبدون، فبلغ ذلك عبد الله بن مسعود، فأتاهم، ففرحوا بمجيئه إليهم، فقال لهم: ما حملكم على ما صنعتم؟. قالوا: أحببنا أن نخرج من غمار الناس نتعبد. فقال عبد الله: لو أن الناس فعلوا مثل ما فعلتم؛ فمن كان يقاتل العدو؟ وما أنا ببارح حتى ترجعوا."
كان الإمام أحمد إذا بلغه عن شخص صلاح أو زهد، أو قيام بحق، أو اتباع للأمر: سأل عنه، وأحب أن يجري بينه وبينه معرفة، وأحب أن يعرف أحواله.