ثم ساق - صلى الله عليه وسلم - معه الهدي تأكيداً أنه لم يخرج لقتال، وبياناً لتعظيمه لبيت الله الحرام، وإشعاراً لأهل الحرم من الفقراء بأن المسلمين كذلك يهدون للبيت ولفقراء الحرم، ولم يخرج معه من السلاح إلا بسيف في القران، ولم يأخذ عدة حرب.
فهل كان النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك خائفاً أو مداهناً؟ كلا! وإنما أراد أن يبين وأن يظهر وجه آخر .. قد رأيتم يا قريش يا أيها الكفار صورة من صور المواجهة في الفترة المكية، ورأيتم من بعد المواجهات العسكرية القتالية، وعرفتم كيف هم المؤمنون المجاهدون، واليوم يأتي غزو جديد وجهاد مختلف .. إنه جهاد المعاني الإسلامية، والمفاهيم الحضارية، وجهاد الدعوة النافذ بصورته الحية المتحركة، والقدوة المثالية المؤثرة.
ومع ذلك فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن غافلاً، ولم يكن تاركاً للتيقظ والحذر؛ أرسل عيناً من خزاعة يجوس في مكة، حتى يعرف ما قد يسمعون من الأخبار، وأخفى مسيرته عنهم، وأرسل طليعة من عشرين رجلاً، حتى إذا كان هناك اعتداء أو توجه له كان على أهبة الاستعداد.
ثم خلأت القصواء - ناقة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - وبركت، والقلوب متلهفة للبيت الحرام، فقد حرمت منه ستة أعوام وأخرجت منه، فضاقت بعض النفوس، وقال الصحابة: خلأت القصواء! فردّ رسول الهدى - صلى الله عليه وسلم: (ما خلأت وما كان لها ذلك بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل) .