إنه تعظيم البيت الحرام وهذا هو المراد، وليس تشبيه أصحاب الفيل بأصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -! ولكن التشبيه منصبّ على ما جرى به قدر الله من بقاء حرمة البيت وتعظيمه؛ لئلا تنتهك الحرمة بسفك الدماء، وإزهاق الأرواح، وحصول الاضطراب والخوف والهلع .. وشاور النبي صلى اله عليه وسلم أصحابه، فعزم بعضهم على أن يتهيئوا للقتال، وقال بعضهم: فلنخالف إليهم في ذراريهم ونقاتلهم، وقال أبو بكر - رضي الله عنه: يا رسول الله إنما جئت تعظم بيت الله، وتؤدي مناسك الله فامضي لما أراد الله.
فمضى النبي إلى ذلك، وجاءت المفاوضات وقد أعلن النبي قبلها وكرر - عندما بلغه من الخزاعي الرسول أن قريشاً قد أكلتهم الحرب، وقد أقسموا ألا تدخلها عليهم - فقال - صلى الله عليه وسلم - يكشف الجاهلية وحقيقتها وعدوانها وإجرامها وطبيعتها الاستعلائية: (ويح قريش! لقد أكلتهم الحرب، والله لا تسألني قريش خطةً يعظمون فيها البيت إلا أجبتهم إليها) .
وانتهى الأمر بصلحٍ رجع فيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولم يدخل إلى مكة، لكن كان حينئذٍ هدنة، وضعت الحرب أوزارها عشرة أعوام فيما كتب، وكانت الشروط ثقيلة على المسلمين .. بردّ من أسلم إلى قريش، وعدم ردّ من يسلم من المسلمين إذا ذهب إلى قريش!!
لكن أي أمرٍ هذا الذي حصل؟
سماه الله - سبحانه وتعالى- فتحاً مبيناً، فقال فيما تنزلت به الآيات على رسول الهدى - صلى الله عليه وسلم - في أثناء انصرافه من الحديبية: {إنا فتحنا لك فتحاً مبينا} .
حتى إن عمر تعجب وقال: أو فتح هو يا رسول الله؟! قال: نعم
أي فتحٍ كان ذلك، ولم يكن ثمة قتال، ولم يكن ثمة إزاحة، ولا دخول ولا فتحٍ ولا شيء من ذلك؟