فهرس الكتاب

الصفحة 3380 من 4219

إنه الفتح الذي غزت فيه دعوة الإسلام كل عقل راشد، وكل نفسٍ سوية وكل فطرة نقية؛ لأن جو التوتر والقتال كان يهيج حمية الجاهلية وعظمتها وكبريائها الفارغة، فلما سكنت النفوس، وجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه في العام الذي يليه ليؤدوا عمرتهم بحسب الاتفاق، ورأى الناس بأبصارهم إيماناً يتحرك، وإسلاماً تظهر محاسنه، وأخوة تفيض بها القلوب، وعظمة في الإيمان تظهر في الركوع والسجود ..

رأوا نمطاً من الناس مختلفاً .. رأوا صورة من البشرية في أرقى صورها، وأسمى معانيها .. رأوا حباً وتعظيماً من الصحابة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأوا ما فتت كل حاجزٍ في صدورهم ونفوسهم .. رأوا كيف عظمتهم وطبقياتهم في جاهليتهم .. رأوا كيف فسقهم وفجورهم .. رأوا كيف هم في سائر أحوالهم حتى إن زعماء قريش الصناديد الكبار الذين يصدون عن دين الله لم يطيقوا صبراً، فخرجوا إلى خارج مكة لا تستطيع عيونهم أن ترى .. لا تستطيع نفوسهم أن تقبل، فلما انتهت الأيام الثلاثة أرسلوا مباشرة إلى رسول الله أنهم يخشون الأثر الإيماني الذي ينبث بدون كلمات إلى الناس فيغزوا عقولهم وقلوبهم، فطلبوا منه أن يخرج بعد انتهاء المدة، فخرج وقد غرس الإيمان في القلوب، وقد ظهرت محاسن الإسلام للعقول، وتهاوت الجاهلية وعنجهياتها في قلوب أصحابها وأربابها.

وأمن الناس بعضهم بعضاً فكان من حق المسلم أن يأتي إلى مكة ليرعى مصالحه أو يزور إخوانه وأقاربه، فيتحدثون: كيف أنتم في المدينة؟ ما تصنعون مع محمد - صلى الله عليه وسلم -؟

أليسوا يستعيدون التاريخ؟ كيف كان هؤلاء مضطهدون معذبون؟ كيف خرجوا مطاردين مهاجرين؟ كيف أصبحت لهم دولة وكيان؟ كيف انتصروا في بدر؟ وكيف فعلوا وفعلوا؟

كل ذلك عبّر عنه الإمام الزهري - التابعي الجليل - يصور لنا هذا الفتح العظيم في كلمات موجزة قال فيها:"فما فتح في الإسلام فتح قبله مثله كان أعظم منه".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت