إنما كان القتال حيث النفرة بين الناس، فلما كانت الهدنة ووضعت الحرب وأمن الناس بعضهم بعضاً التقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة، فلم يكلم أحد في الإسلام يعقل إلى دخل فيه، ولقد دخل في تلك السنتين - أي بين العام السادس من الهجرة والثامن - دخل في تلك السنتين مثل ما كان في الإسلام قبل ذلك.
كان عدد المسلمين يوم الحديبية ألفاً وأربعمائة، وكان عددهم يوم فتح مكة بعد عامين عشرة آلاف .. ذلكم كان ضرباً جهادياً فريداً، وكان غزواً إسلامياً كاسحاً، وكان هجوماً إيمانياً شاملاً، دمّر كل الحصون التي كانت في القلوب، واخترق كل الأوهام التي قد خالطت العقول وذلكم كان فتحاً مبيناً بكل تلك المقاييس العظيمة التي أثرها ونتيجتها كانت أعظم من كل أثرٍ لما سبق من المواجهات والمنازلات العسكرية.
وإذا رأينا ذلك رأيناه من بعد في سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي التاريخ: ألم يكتب النبي للملوك والأمراء؟ ألم يرسل الرسل؟
هذا الأمر العظيم الذي انتشر به الإسلام في بقاع شتى من الأرض دون أن تراق قطرة دم واحدة لا لأن الجهاد قد عطل أو ألغي! ولكن لأن وسائل الجهاد الدعوية عندما عملت عملها دكّت الحصون، وهدمت الحواجز، واستطاعت أن تخترقها بجهاد الدعوة إلى الله، كيف دخل الإسلام إلى شرق آسيا؟ وكيف ثبت أقدامه في تونس؟
عندما فتحت بلاد إفريقيا - وهي تسمى كذلك - انتقض أهلها على المسلمين الفاتحين في أول الأمر وهاجموهم مرة أخرى، ثم مرة ثانية رجع المسلمون وانتصروا ثم انتقضوا عليهم، فكتب الخليفة أن ابنوا المساجد، وأشيعوا الإسلام، فحينئذٍ لم يكن انتقاض، بل كان إقبال على هذا الدين.
والتتار الذين دمروا العالم الإسلامي من أول شرقه إلى وسطه واجتاحوا بعد ذلك بغداد إلى غيرها من البلاد .. هل انتصروا؟