ولم يستطع صناديد قريش الصمود أمام أسلوب القرآن الحكيم في مخاطبة العقول والقلوب السليمة فاتفقوا على عدم الاستماع: (( وقالوا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون ) ). فتأمل قوله الله - تعالى: (( يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده ) ) [آل عمران/65] . (( يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون ) ). (( يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون وأنتم تعلمون ) ) [آل عمران/70 - 71] . (( يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين ) ) [المائدة/15] . وغيرها من الآيات الكريمة التي تحرك المشاعر والأحاسيس والضمائر الميتة تحركها لتعيد فيها الحياة، وتنبهها من غفوتها ومن سباتها ومن سكرتها.
ما ألطف هذا النداء الإلهي، وما ألين هذه اللهجة التي تقوي المشاعر وترفع المعنويات، فتجذب القلوب وتوجه العقول إلى الحق وتصرفها عن الباطل هذا هو الأسلوب الناجع في الدعوة إلى الله وهذا هو خلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي امتدحه الله به - سبحانه - حيث قال: (( وإنك لعلى خلق عظيم ) ).
وفي سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - ومواقفه العملية ذخيرة ثمينة وثرية لو تناولها باحث بالدرس والاستقراء واستنبط منها الأصول النفسية والاجتماعية والدينية التي تفسر نفاذ النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى قلوب الناس وعقولهم؛ في سنة النبي هذه ما لو تناوله باحث حصيف لقدم لنا ما يمكن أن نسميه: علم نفس الدعوة على غرار ما يعرف من علم النفس التعليمي أو التربوي ويعمق أكثر فيما يتصل بطبيعة النفس إذ كان منهج النبوة في دعوة الناس منهجاً ربانياً ألهمه إياه ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى.