فهرس الكتاب
ترى كم جلسة .. كم درساً .. كم موعظة .. كم توجيهاً .. يحتاج إليها الإنسان ليرسخ في قلبه إلى درجة اليقين أن الله هو الذي يدبر، وأن هذه المخلوقات البشرية التي يخالطها في حياته إن هي إلا أدوات لقدر الله، وأنها حين تضره فهي تضره بشيء قد قدره الله له، وحين تنفعه فإنما تنفعه بشيء قد كتبه الله له فلا يتوجه إلا إلى الله، في سرائه وفي ضرائه سواء، ويعلم - يقيناً - أن الخلق كلهم لا يملكون له - ولا يملكون لأنفسهم - ضراً ولا نفعا ً؟! فإذا دخل في الشدة - وطريق الدعوة مملوء بالأشواك والدماء والدموع - طلب التثبيت من الله، ونظر إلى كل ما يصيبه على أنه قدر مكتوب له.
ثم نظر إلى هذا القدر المكتوب له على أنه كله خير، ما دام يسير على طريق الإيمان، لأن أمر المؤمن كله خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له؛ وليس ذلك إلا للمؤمن.
فإذا لم يصل إلى هذا اليقين القلبي، الذي يترتب عليه سلوك عملي؛ فهل يصلح لحمل أعباء الدعوة؟!
كم يحتاج الفرد الواحد حتى ترسخ هذه العقيدة في قلبه إلى درجة اليقين؟ وكم يحتاج الجمع من الناس؟ وكم يحتاج تكوين"قاعدة"صلبة من مثل هؤلاء، يقوم عليها بناء دعوة، ثم يقوم عليها - حين يأذن الله - بناء دولة؟!
إنه لمثل هذا كان يعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة عشر عاماً كاملة في مكة، وبعدها سنوات في المدينة كان يعمل، ولم يكن يقول في نفسه وهو في مكة: إلى متى نظل نربى دون أن"نعمل"؟ فقد كان يعلم يقيناً - بما علمه ربه - أن هذا هو"العمل"الأساسي الذي يسبق كل عمل.
هذه هي"العقيدة"، هذه هي"لا إله إلا الله"في حقيقتها الاعتقادية، ليست مجرد إقرار ذهني بأن الله تعالى واحد.