فهرس الكتاب

الصفحة 3776 من 4219

فما أيسر أن يعتقد الذهن ذلك - وإن كان قد صعب على العرب في جاهليتهم - ولكن تبقى"شوائب"نفسية وشعورية كثيرة عالقة بهذا الاعتقاد الذهني، ولا تظهر إلا في السلوك العملي، في حالي الشدة والرخاء سواء، وإن كانت الشدة هي المجهر الأقوى الذي تبرز تحته كل شوائب الاعتقاد.

(وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ ... ) [سورة العنكبوت 29/ 10]

(أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) [سورة العنكبوت 29/ 2 - 3] .

لمثل هذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقى أصحابه في دار الأرقم: يربيهم ويعلمهم، يعلمهم العقيدة الصحيحة، ويربيهم عليها.

فليست العقيدة مفهوماً ذهنياً تستوعبه الأذهان ثم يستقر فيها هناك! إنها على هذا النحو لا تصنع شيئاً في عالم الواقع، ولا تغير شيئاً في عالم الواقع.

كالفلسفة في الأبراج العاجية، لا تغير شيئاً في واقع الناس! إنما هي"عقيدة"، ترسخ وترسخ وترسخ، حتى تصبح يقيناً قلبياً تنطلق على هداه مشاعر القلب، ويجرى بمقتضاه السلوك العملي للإنسان.

وبهذه الصورة تعمل"العقيدة"في عالم الواقع .. تغير .. تهدم وتبنى .. تهدم الباطل وتبنى مكانه الحق.

وحين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يربى أصحابه على العقيدة الصحيحة، كان ينشئ - بقدر الله - ذلك اليقين القلبي الذي ينبثق منه السلوك العملي، وكان - بهذا - ينشئ - بقدر الله - تلك النفوس العجيبة التي صنعت ما شاء الله لها أن تصنع من عجائب التاريخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت