ومن رأى حال هؤلاء الأئمة وشحهم في الوقت بل إنهم ـ رحمه الله ـ يشحون بالوقت حتى على العبادة من أجل القراءة وقصة الإمام أبو الفتح ابن دقيق العيد القشيري الإمام المشهور سمع بأن الشرح الكبير للإمام الرافعي ـ رحمه الله ـ قد نسخ واشتراه بثلاثة آلاف درهم وعكف على قراءته حتى إنه اقتصر على الفرائض فكان لا يصلي النوافل العامة مع أنه يعلم أن الطاعة فضلها عظيم لكنه شحّ بالوقت. ونحن الآن عندنا مساحات كبيرة من الفراغ ومساحات عظيمة من الوقت فكم هو الذين يسألون عن أوقاتهم، وما أتى هذا إلا بعدم استشعار أهمية الوقت والنفس تحتاج إلى استجمام وهذا لا شك من فقه النفس ولكن هل وصلنا إلى مرحلة الاستجمام نحن عندنا ترهل!! في مسألة بذل الوقت والكرم في تقديمه للناس وهؤلاء الأئمة كانوا يضنون بالوقت ويبخلون به على أنفسهم وأهلهم حتى في ساعة الوفاة وتحضرني قصة ابن جرير الطبري لما حضرته الوفاة وهو في النزع فسمع شخصاً بجانبه وهو يدعو ويقول الدعاء المشهور: اللهم يا سابق الفوت ويا سامع الصوت ويا كاسي العظام لحماً بعد الموت. فقال: من قال هذا الدعاء. فقيل: إنه منقول عن جعفر بن محمد أو نحوه. فقال لولده: إئتني بصحيفة فأتي بالصحيفة فكتب الدعاء. فقالوا: يا إمام أنت الآن في وقت كتابة الصحيفة فقال: إني أخجل أن ألاقي ربي وأنا لا أعرف هذا الدعاء.