ولما لم تفلح كل تلك المحاولات مرة أخرى في قتل الدعوة، أو حتى في إيقاف انتشارها الواسع، وعندما قوي أتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم - واشتد أمرهم بإسلام حمزة وعمر وغيرهما، لجأ الطغاة إلى محاولات لإغراء الرسول بأمور الدنيا، كي يتنازل عن دعوته.
ومثال تلك المحاولات مفاوضة عتبة بن ربيعة أرسلته قريش مندوبًا عنها ليعرض على الرسول الملك والجاه والمال كي يكف عن دعوته.
ولا تزال تلك الوسيلة تستخدم لشلِّ الدعوة وشراء الدعاة، فيتم بذلك احتواءهم وتسييرهم إلى الوجهة التي يراد لهم السير فيها، وكم من داعية لم يسقط بالترهيب والتهذيب سقط بالإغراء والترغيب.
7 -المفاوضات الدينية والسعي وراء التنازلات: وتمثل تلك المرحلة أخبث وأخطر ما تفتق عنه تخطيط الطغاة ومكرهم.
إن أهل الباطل ليس لهم منهج ثابت محدد يلتزمون به، وإنما يدورون مع مصالحهم حيث دارت، ومصلحتهم العظمى كما يرونها في عداء الحق والسعي لإطفاء نور الله، ومن هنا فإن أهل الباطل لا يجدون غضاضة ولا صعوبة في أن يعترفوا بشيء من الحق ويتفاوضوا مع أهله إذا كان في ذلك قضاء على الحق وأهله ولو بعد حين.
أما أهل الحق فموقفهم مختلف تمامًا، إنهم لا ينطلقون من مصالح معينة، إن لهم منهجًا ثابتًا محددًا أنزله الله إليهم، وأمرهم باتباعه وحذرهم من مخالفته، وقضيتهم في جوهرها إنما هي استمساك بهذا المنهج الثابت ومحافظة عليه، والذب عنه حتى الموت.
ومن هنا فإنهم ليس لهم من الأمر شيء، ولا يملكون أن يتنازلوا عن شيء من هذا المنهج لأي هدف كان، إذ أن منهجهم هو قضيتهم، ومصلحتهم في العض عليه بالنواجذ، وتحقيق أي هدف في الحياة الدنيا، ولو بدا ساميًا عند البعض لا يجوز أن يتم بالتنازل عن شيء من المنهج.