لما دخل عبد الله بن علي، عم السفاح العباسي، دمشق بعد القضاء على الدولة الأموية، طلب الأوزاعيَ الذي يحدثنا فيقول: دخلتُ عليه وهو على سرير وفي يده خيزرانة، والمسوّدة علي يمينه وشماله، معهم السيوف مسلطة، فسلمتُ عليه، فلم يردّ، ونكت بتلك الخيرزانة التي في يده، ثم قال: يا أوزاعي، ما ترى فيما صنعنا من إزالة أيدي أولئك الظلمة عن العباد والبلاد، أجهاداً ورباطاً هو؟ فقلتُ: أيها الأمير، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرء ما نوى، فمن كانت هجرتُه إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه". فنكت بالخيزرانة أشد مما كان ينكت، ثم قال: يا أوزاعي، ما تقول في دماء بني أمية؟ فقلت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا يحلّ دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة". فنكت بالخيزرانة أشد من ذلك وقال: ما تقول في أموالهم؟ فقلتُ: إن كانت في أيديهم حراماً، فهي حرام عليك أيضاً، وإن كانت لهم حلالاً، فلا تحل لك إلا بطريق شرعي .. فنكتَ أشد مما كان ينكت من قبل، ثم قال: ألا نولّيك القضاء؟ فقلتُ: إن أسلافك لم يكونوا يشقون علي في ذلك، وإني أحب أن يتم ما ابتدؤوني به من الإحسان. فقال: كأنك تحب الانصراف؟ قلت: إن ورائي حرماً، وهم محتاجون إلى القيام عليهن وسترهن، وقلوبهن مشغولة بسببي ... فأمرَني بالانصراف ..
(ألاّ تزر وازرة وزرَ أخرى)