ذكر صاحب كتاب"الأموال"أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله، وكذلك صاحب"فتوح البلدان"البلاذري وغيرهما من المؤرخين، ما أقدم عليه نفر من أهل الذمة -النصارى- في جبل لبنا أيام العباسيين من نكث للعهود وحمل للسلاح وإعلان للفتنة والتمرد، وكيف قضى على فتنتهم الوالي العباسي صالح بن علي بن عبد الله بن عباس، وكيف أقر من بقي منهم على دينهم وردّهم إلى قراهم، ثم كيف شرّد أهل القرى وأجلاهم عن قراهم رغم عدم اشتراكهم جميعاً في هذه الفتنة ..
ويذكرون كيف أن إمام أهل الشام، الأوزاعي رحمه الله، لم يرضَ بما حلّ بهم، ولم يسكت عن هذا الظلم، فما كان منه إلا أن أرسل رسالة إلى الوالي يقول فيها:"... وقد كان من إجلاء أهل الذمة من أهل جبل لبنان، ممن لم يكن ممالئاً لمن خرج على خروجه، ممن قتلتَ بعضهم، ورددتَ باقيهم إلى قراهم ما قد علمتَ، فكيف تؤخذ عامة بذنوب خاصة حتى يُخرَجوا من ديارهم وأموالهم؟ وحكم الله تعالى: (ألا تزرَ وازرة وزرَ أخرى) ، وهو أحق ما وقف عنده واقتدى به .. وأحق الوصايا أن تحفظ وترعى وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه قال:"من ظلم معاهداً أو كلَّفه فوقَ طاقته فأنا حجيجه" (أي: خصمه) . وأصرّ على الوالي أن يبادر برفع هذا الظلم، وإزالة الحيف عن كاهل هؤلاء المظلومين مبيناً له ضرورة التزام مبادئ الإسلام مهما كانت الظروف .. ولقد استجاب الوالي وفعل ما طلبه الأوزاعي .."