وذكر البخاري في كتاب الأحكام عن زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أمره أن يتعلم كتاب اليهود"حتى كتبت للنبي صلى الله عليه و سلم كتبه وأقرأته كتبهم إذا كتبوا إليه". وروى البخاري في كتاب الجزية و الموادعة عن جبير بن حية قال: ندبنا عمر و استعمل علينا النعمان بن مقرن حتى إذا كنا بأرض العدو و خرج علينا عامل كسرى في أربعين ألفًا، فقام ترجمان فقال ليكلمني رجل منكم، فقال المغيرة سل عما شئت ... الحديث.
تغير اللسان آية ومنة
ومن المعلوم أن الله سبحانه و تعالى لا يمتن على عباده في كتابه وعلى لسان أنبيائه بما يطالبون بإلغائه والبعد عنه والتحرج منه، فإذا اعتبر الله سبحانه اختلاف الألسنة و الألوان من آياته الدالة على تمام الحكمة و تمام القدرة كان في ذلك دلالة واضحة على أنه لابد من التعامل مع ظاهرة التعددية اللغوية و قبولها و التعايش معها في إطار ثقافي يعترف بهذه التعددية و يبني عليها ليؤصل التعارف و ينفي الحرج والعنت عن الناس و هو يدعوهم إلى شريعة الرحمة. ولقد كان الجيل الاول من المجاهدين الذين ضربوا في الأرض لنشر الهدى و العلم مثالًا لابد من دراسته و كشف آليات الاتصال عنده، إذ لما اتسع سلطان المسلمين و مكن الله لهم في الأرض و اختلط المسلمون بشعوب و أمم مختلفة، كانت الترجمة والمعايشة هي وسيلة الدعوة لفتح العقول والقلوب لحقائق الإيمان و قيم الإسلام و لم تكن قضية جواز الترجمة مطروحة أصلًا إلا من جهة خصوصية بيان القرآن الكريم، أما أداء بعض الشعائر كالأذان و الصلاة و الخطبة بغير العربية لمن لا يستطيعها فتحدث فيه الأئمة لينفوا الحرج. ولقد كانت العربية هي لغة الثقافة ولغة الحضارة، ولم يجد المسلمون حرجًا و لم يضيقوا بوجود اللغات الأُخرى من فارسية و تركية و هندية وغيرها تعايشت في ظل التسامح و التعارف و نقلت معاني أساسيات العقيدة والقيم والأحكام إلى كل لغات الشعوب الإسلامية.