فهرس الكتاب

الصفحة 773 من 4219

ولقد يتفق أن بعض من يقنع بتلك المناهج المختزلة أو الجزئية يغادرها إلى مناهج أكثر نضجاً واكتمالاً وقرباً من الفهم الصحيح، وهذا ـ على قلة فاعليه ـ لا يفعله إلا أحد اثنين: الأول: من يغادره لا على أنه مرحلة تسلمه للتي تليها، ولكن حيث يتبين له أنه منهج قاصر وتصور مختزل عن الدين والالتزام. وإذاً يكون الدور الإيجابي لهذه المناهج والتصورات ـ من الناحية العملية ـ كونها ربما تهيؤ أو تقرب البعض لالتزام المنهج الأكمل، وهو أثر رأيناه ـ في واقع الأمر ـ محدوداً نادر الحدوث. والثاني: من يغادرها انتكاساً عنها، وافتتاناً بنقيضها، إذ إن تلك المناهج القاصرة تبقي أتباعها على صلة بكثير من المظاهر والأنماط والعادات غير الشرعية، لا لاعتبارات مرحلية، بل لأنها منهجية ثابتة في أصول المنهج ذاته، تغلب استهداف الـ"كم"على الـ"كيف"، وتبتغي ـ بالتساهل ـ الاستكثار من الأتباع.

أما الكثير الغالب ممن تستهويهم تلك المناهج القاصرة؛ فإنهم ـ كما قدمت ـ إنما يرتضونها لاعتبار أنها تمثل التصور النهائي، وهذا تحديداً هو سر إقبالهم عليها واحتفائهم بها، ولو أنها عرضت عليهم كمرحلة واحدة من منهج تطوري متتابع المراحل ما قبلوا بها.

إن الداعية إلى الله حينما لا يكون على مستوى رقي المنهج الإسلامي، فهما وامتثالاً، إنما يطرح بذلك أنموذجاً بديلاً، يمنح الناس حرية الاختيار بينه وبين الأنموذج الصحيح للدين، وفي أزمنة غلبة المادية والشهوة من الطبيعي أن يؤثر الناس ما يوسع لهم دائرة الفعل، ويضيق دائرة الترك.

إنني لم أزل أسأل سؤالاً ربما أمدتنا الإجابة عنه بما يبدد الضبابية التي غرتنا بأمنيات لا نراها أنجزت في تجارب التاريخ ولا في واقع الأمر، ومن ثم استغرقتنا فيما نتوهم أنه مقدمات لها ... أسأل: هل وقع في تاريخنا المديد أن أصلح الله أمر هذه الأمة مرة بغير ما أصلح به أولها؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت