والثالثة التي نختم بها حديثنا: مسألة الغيرة بعد المحبة، وهذه للأسف أيضا مشكلاتها كثيرة، وأعني بالغيرة غيرة التنافس في ميادين الدعوة؛ فإذا ببعض الدعاة يغار أو يغضب من إخوة له يحبون الخير، ويسعون له، ويسيرون في طريقه، ويضربون الناس فيه، لكن باجتهاد يخالف اجتهادهم، فإذا رأى الناس أقبلوا عليهم دونه، أو اقتنعوا بفكرتهم وأسلوبهم دونه، إذا به تستعر في نفسه غيرة هي عاطفة في الأصل قد تكون محمودة إذا أخذناها على غرار قول الله - عز وجل: {وفي ذلك فليتنافس المتنافسون} ، وإذا أخذناها على أنها تكامل لا تصادم، وتعاون لا تراشق، وقد أخبر النبي - عليه الصلاة والسلام - عن ذلك بقوله: (إن الشيطان يئيس أن يعبد في أرضكم هذه ولكن في التحريش بينكم) ، فإذا بهذه الغيرة تتحول إلى نوع من البغضاء أو الشحناء، وتؤدي إلى صور كثيرة نراها في صور من الواقع الدعوي، لا تخطئها العين.
من هذه الصور: التنافر والبعد؛ فنحن نعلم أن المسلم أخو المسلم، وينبغي أن تربط بين المسلمين أخوة الإيمان، فإذا كان أولئك المسلمون دعاة فأمر أخوتهم ومحبتهم ينبغي أن يكون آكد وأقوى، فما بالنا نرى عوام الناس من كبار السن من آبائنا وإخواننا الكبار أو أجدادنا وأمهاتنا والعجائز في قلوبهم من الصفاء والنقاء والألفة والمحبة ما نفتقده بين شباب نذروا أنفسهم للدعوة، أو نصبوا أنفسهم للدعوة، أو رفعوا راية الدعوة، أمر لا يمكن أن يكون مقبولا في ميزان الشرع ولا في منطق العقل.
والصورة الثانية: مرحلة أخرى وهي التحذير والتشويه؛ فلا يكتفي من أن ينفر منهم، بل يحذر الآخرين منهم، ويشوه صورتهم، وهذا لا شك أنه فساد في الطوية، واختلال في النية، وسأذكر بعض الأسباب أيضا التي تبين هذا، لكن هو يشكل صورة لنفسية مريضة لم تتغذى بغذاء الإيمان، ولم تتطهر بطهارة الإسلام.