قال: فعرض على رسول الله فاستصغره فرده، فبكى فأجازه، فكان سعد يقول: فكنت أعقد حمائل سيفه من صغره فقتل وهو ابن ست عشرة سنة.
ولم يقف الحد عن مشاركتهم في الغزو فحسب، بل وصل بهم الأمر أن يكونوا رؤوساء في البعوث والسرايا بأمر النبي. فكان عكاشة بن محصن أميراً على أربعين رجلاً في سرية إلى الغمر، وزيد بن حارثه أميراً على سرية الحموم، وعمرو بن العاص أميراً على ثلاث مائة من المهاجرين والأنصار في ذات السلاسل، وأما أسامة بن زيد فكان من القادة الأفذاذ، فعلى صغر سنه إلا أنه تولى قيادة جيش فيه من يفوقه علماً وعمراً.
شاهد المقال: أن أولئك كانوا صغار الأعمار كبار الأقدار، علم الله صدق إيمانهم وإخلاصهم فرفع شأنهم وأعلى مكانتهم.
فكانوا مُثُلاً عُلياً يحتذي بهم المسلمون عامة وناشئهم خاصة، فرضي الله عنهم وجمعنا بهم في دار كرامته، إنه تعالى سميع مجيب.
معاشر دعاة الإصلاح:
لئن كان زمن الصحابة قد تميز عن غيره بسابق الفضل، لوجود النبي بينهم، إلا أن الخير باق في أمة محمد إلى قيام الساعة.
وقد حفظت لنا قصص التاريخ عجائب تذكّر بأمثلة الصحابة رضي الله عنهم في علو الهمة وعزة النفس، فهذا عقبة بن نافع أحد قادة بني أمية يقف رحمه الله تعالى في أقصى المغرب بعد أن خاض بجواده بحر الظلمات المسمى بالمحيط الأطلسي يقف قائلا: (اللهم رب محمد لولا هذا البحر لفتحت الدنيا في سبيل إعلاء كلمتك، اللهم فاشهد) .
وهذا قتيبة الباهلي الذي توغل في آخر المشرق، وأبى إلا أن يدخل بلاد الصين، فقال له أحد أتباعه محذراً مشفقاً: لقد أوغلت في بلاد الترك يا قتيبة، والحوادث بين أجنحة الدهر تقبل وتدبر، فأجابه قتيبة بقوله الخالد: (بثقتي بنصر الله توغلت، وإذا انقضت المدة لم تنفع العدة) .
فلما رأى ذلك المحذر عزمه وتصميمه على المضي قال له: اسلك سبيلك يا قتيبة فهذا عزم لا يقله إلا الله.
معاشر دعاة الإصلاح: