فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وقد روي عن ابن عمر أن النبي- صلى الله عليه وسلم - كان يقول في دعائه:"اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا"وهو من علامات الزهد في الدنيا، وقلة الرغبة فيها، كما قال علي - رضي الله عنه-: من زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات.
والثالث: أن تستوي عند العبد حامده وذامُّه في الحق، وهذا من علامات الزهد في الدنيا، واحتقارها، وقلة الرغبة فيها، فإن من عظمت الدنيا عنده أحبّ الممدح وكره الذم، فربما حمله ذلك على ترك كثير من الحق خشية الذمّ، وعلى فعل كثير من الباطل رجاء المدح، فمن استوى عنده حامده وذامه في الحق، دل على سقوط منزلة المخلوقين من قلبه، وامتلائه من محبة الحق، وما فيه رضا مولاه، كما قال ابن مسعود: اليقين أن لا ترضى الناس بسخط الله.
وقد مدح الله الذين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم [18] .
الوصية الثانية:
"وازهد بما في أيدي الناس يحبك الناس".
ويروى عن سهل بن سعد مرفوعًا:"شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس" [19] .
وقال الحسن: لا تزال كريمًا على الناس، أولا يزال الناس يكرمونك مالم تعاط ما في أيديهم، فإذا فعلت ذلك استخفوا بك، وكرهوا حديثك وأبغضوك.
وقال أبو أيوب السختياني: لا ينبل الرجل حتى يكون فيه خصلتان: العفة عما في أيدي الناس، والتجاوز عما يكون منهم.
وكان عمر يقول في خطبته على المنبر: إن الطمع فقر، وإن اليأس غنى، وأن الإنسان إذا أيس من الشيء استغنى عنه.
قال ابن رجب الحنبلي: وقد تكاثرت الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم- بالأمر بالاستعفاف عن مسألة الناس والاستغناء عنهم، فمن سأل الناس ما بأيديهم كرهوه وأبغضوه، لأن المال محبوب لنفوس بني آدم، فمن طلب منهم ما يحبونه كرهوه لذلك.
وأما من كان يرى المنة للسائل عليه، ويرى أنه لو خرج له عن ملكه كله، لم يف له ببذل سؤاله له وذلته له، أو كان يقول لأهله: ثيابكم على غيركم أحسن منها عليكم، ودوابكم تحت غيركم أحسن منها تحتكم، فهذا نادرٌ جدًا من طباع بني آدم، وقد انطوى ببساط ذلك من أزمان متطاولة.
وأما من زهد فيما في أيدي الناس، وعف عنهم، فإنهم يحبونه ويكرمونه ولذلك ويسود به عليهم، كما قال أعرابي لأهل البصرة: من سيَّد أهل هذه القربة؟ قالوا: الحسن، قال: بما سادهم؟ قالوا: احتاج الناس إلى علمه، واستغنى هو عن دنياهم [20] .
وما أحسن قول بعض السلف في وصف الدنيا وأهلها:
وما هي إلا جيفة مستحيلة عليها كلاب همُّهن اجتذابها
فإن تجتنبها كنت سلمًا لأهلها وإن تجتذبها نازعتك كلابها
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[1] - قال النووي: حديث حسن رواه ابن ماجة وغيره بأسانيد حسنة. وتكلم على الحديث ابن رجب - رحمه الله - وقال محققا جامع العلوم والحكم - شعيب الأرناؤوط- إبراهيم باجس رواه ابن ماجة (4102) ، وابن حبان في روضة العقلاء ص 141، والطبراني في الكبير (5972) والقضاعي في مسند الشهاب (643) ، وأبو نعيم في الحلية ( 3/252-253 و7/136) وفي تاريخ أصبهان (2/244-245) ، وابن عدي في الكامل ( 3/902) ، والعقيلي في الضعفاء (2/11) ، والحاكم ( 4/313) من طرق عن خالد بن عمرو القرشي، عن سفيان الثوري، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد.
وكأنهما يضعفانه وذلك استنباطًا من قولهما في التحقيق للمتابعات التي ذكرها ابن رجب في الشرح حيث يقولا مثلًا: وهاتان المتابعتان أيضًا لا يفرح بهما.
ولكن الإمام المحدث الألباني يصححه انظر صحيح الجامع برقم (922) .
[2] - جامع العلوم 2/177.
[3] - رواه مسلم.
[4] - رواه الترمذي وابن ماجة، وقال محققا جامع العلوم والحكم (2/178) : حديث صحيح.
[5] - رواه مسلم.
[6] - رواه الترمذي وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم (651) .
[7] - رواه أحمد والترمذي وابن ماجه ، وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم (8076) .
[8] - رواه الحاكم والبيهقي في الشعب عن أبي الدرداء وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم 2001.
[9] - رواه الطبراني في الكبير عن خباب وصححه الألباني في صحيح الجامع 2384.
[10] - رواه البخاري عن ابن عمر.
[11] - إحياء علوم الدين (4/239-241) .
[12] - انظر مدارج السالكين 2/12-13.
[13] - ضعفه الألباني في ضعيف ابن ماجة برقم (393) .
[14] - رواه مسلم.
[15] - رواه مسلم بزيادة"وأعلمكم بما أتبع".
[16] - روه البخاري ومسلم.
[17] - مجموع الفتاوى (10/641) .
[18] - جامع العلوم والحكم 2/180- 183 ملخصًا.
[19] - قال محققا جامع العلوم والحكم: رواه أبو نعيم في الحلية 3/253، والقضاعي في مسند الشهاب (151) وصححه الحاكم 4/324-325، ووافقه الذهبي مع أن فيه زافر بن سليمان وهو ضعيف، ولذا قال أبو نعيم: غريب، ورواه العقيلي في الضعفاء 2/37-38. ومن حديث أبي هريرة، وقال: هذا يروي عن الحسن وغيره من قولهم وليس له أصل سند. والحديث حسنه الألباني في الصحيحة برقم (831) .
[20] - جامع العلوم والحكم (2/205-206) .