فهرس الكتاب

الصفحة 4462 من 9994

#حدثوا الناس بما يعرفون

إن ثمرة دعوتنا للناس وخطابنا لهم تتحقق حين يفهمون الخطاب ويعقلونه ، ثم يتحول الأمر إلى سلوك عملي واستجابة .

وما لم يكن الخطاب مناسباً للناس تبلُغُه عقولهم وتدركه أفهامهم فلن يتحقق المقصود منه .

لذا صح عن علي رضي الله عنه أنه قال: ( حدِّثوا الناس بما يعرفون ؛ أتحبون أن يكذب الله ورسوله ؟ ) [1] .

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ( ما أنت بمحدِّثٍ قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة ) [2] .

وتحديث الناس بما يعرفون له جانبان:

الأول: يتعلق بأسلوب الخطاب ؛ وذلك بأن يُخاطب الناس بلغة سهلة واضحة ، وأن يبتعد المتحدث عن التقعُّر والتكلُّف والبحث عن الألفاظ الغريبة ، وقد ذم النبي صلى الله عليه وسلم هذا المسلك فقال: ( إن الله عز وجل يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه تخلل الباقرة بلسانها ) [3] .

وعن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الحياء والعي شعبتان من الإيمان ، والبذاء والبيان شعبتان من النفاق ) [4]

قال الترمذي: والعي قلة الكلام ، والبذاء: هو الفحش في الكلام ، والبيان: هو كثرة الكلام ، مثل هؤلاء الخطباء الذين يخطبون فيوسعون في الكلام ويتفصحون فيه من مدح الناس فيما لا يرضي الله .

وأحياناً يدفع التكلف صاحبه إلى هجر المصطلحات الشرعية ، والبحث عن مصطلحات حادثة .

الثاني: يتعلق بمضمون الخطاب، فليس كل ما يُعلم يقال ، والعامة إنما يُدعون للأمور الواضحة من الكتاب والسنة ، بخلاف دقائق المسائل سواء أكانت من المسائل الخبرية ، أم من المسائل العملية .

وما يسع الناس جهله ولا يكلفون بعلمه أمر نسبي يختلف باختلاف الناس ، وهو في دائرة العامة أوسع منه في دائرة طلبة العلم .

وها هو النبي صلى الله عليه وسلم إمام الدعاة وقائدهم حين يأتيه رجل يسأله عما يدعو إليه ، أو يسأله عما يجب عليه أن يفعله ، يجيبه النبي صلى الله عليه وسلم بالجمل الثابتة الظاهرة من دعوته صلى الله عليه وسلم: توحيد الله تبارك وتعالى ، إقام الصلاة ، إيتاء الزكاة ، الصوم ، الحج، صلة الأرحام ، كسر الأوثان ... إلخ ، ولم يَدْعُ النبي صلى الله عليه وسلم أمثال هؤلاء إلى مسائل فرعية أو خفية .

ومن ذلك ترك تحديث الناس بما يُشكِلُ عليهم فهمُه ، أو يُخشى أن ينزلوه على غير تنزيله ويتأولوه على غير تأويله . قال الحافظ ابن حجر في شرحه لخبر علي رضي الله عنه:( وممن كره التحديث ببعض دون بعض أحمد في الأحاديث التي ظاهرها الخروج على السلطان ، ومالك في أحاديث الصفات ، وأبو يوسف في الغرائب ، ومن قبلهم أبو هريرة كما تقدم عنه في الجرابين ، وأن المراد ما يقع من الفتن ، ونحوه عن حذيفة

وعن الحسن أنه أنكر تحديث أنس للحجاج بقصة العرنيين ؛ لأنه اتخذها وسيلة إلى ما كان يعتمده من المبالغة في سفك الدماء بتأويله الواهي ) [5] .

فحري بالدعاة إلى الله تبارك وتعالى أن يتدارسوا هذه الآداب ، ويعتنوا برعايتها وتطبيقها .

الهوامش

(1) رواه البخاري (127) .

(2) رواه مسلم في مقدمة الصحيح .

(3) رواه أحمد (6507) ، وأبو داود (5005) ، والترمذي (2853) .

(4) رواه أحمد (21809) ، والترمذي (2027) .

(5) فتح الباري ، ج 1 ، ص 272 .

محمد بن عبد الله الدويش

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت