وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث الرُّؤيا: (( وأمَّا الرَّجلُ الذي يَثْلَغُ رأسَهُ بالحجَرِ فإنَّه يأخذُ القُرآنَ فيرفُضُهُ , وينامُ عنِ الصَّلاةِ المكتوبةِ ) ) [15] .
فحين تلذَّذ بالنوم عن الصَّلاة جُوزيَ بأن يرضَّ رأسه بالحجارة, والجزاء من جنس العمل .
ألا فالْحق بأهل الفجر لكي تكون في ذمَّة الله, ولِتُكتب في ديوان الأبرار , وتحصل لك السعادة والنور, وتُمحى من صحيفة النِّفاق, يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( ليسَ صلاةٌ أثقل عَلى المنافقينَ من صلاةِ الفجرِ والعشاءِ , ولَو يعلمونَ ما فيهمَا لأتَوْهُما ولو حَبْوَاً ) ) [16] .
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وأيَّا كم بالذكرِ الحكيم، واستغفر الله لي ولكم إنَّهُ هو الغفورُ الرحيم .
الخطبة الثانية
الحمد لله يُعطي ويمنع, ويخفضُ ويرفع, ويضرُ وينفع, ألا إلى اللهِ تصيرُ الأمور. وأُصلي وأسلمُ على الرحمةِ المهداة, والنعمةِ المُسداة, وعلى آلهِ وأصحابه والتابعين .
أما بعد: يَا أخي: حاسب نفسك , واصدق مع ربك, واستفتح يومك بتوبةٍ تمحو ما سلف منك, وتذكر نِعَمَ الله عليك , واسأل الله دائماً أن يعينك, واحذر السَّهر فهو سببٌ رئيسٌ لفَوَات فريضة الفجر, وابذل مع هذا من الأسباب ما يكون لك عوناً بإذن الله: بأن تنام على طهارة وقد قرأت أذكار النوم, وجعلت الساعة المنبهة عندك, فإن خفت مع هذا ألاَّ تقوم فأوصِ بعض أهلك أو جيرانك بالاتصال عليك وإيقاظك, وإذا استيقظت فاذكر الله مباشرة, وانهض من فراشك بسرعة, ولا تتململ فيه أو يوحي لك الشيطان بأن تستريح قليلاً , فهذا مدخل من مداخله, وابتعد عن المعاصي والذنوب ولا سيما النظر المحرَّم, فإن المعصية سببٌ لحرمان الطاعة, وكن ذا عزيمةٍ قوية, وتذكر ثواب المسارعين على المساجد الذين تعلقت قلوبهم بها وأكثَروا من التردُّد عليها فهم من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظلَّ إلا ظله, وهم السعداء الموفَّقون في الدنيا, وأهل الجنة في الآخرة , قال صلى الله عليه وسلم: (( ثلاثةٌ كلهمْ ضامنٌ على الله إنْ عاشَ رُزِقَ وَكُفِيَ , وإنْ ماتَ أدخلهُ الله الجنَّةَ , ومنهمْ: مَن خرجَ إلى المسجدِ فهو ضامنٌ علَى الله ) ) [17] .
أسأل الله لي ولمن قرأ هذه الرسالة ولجميع المسلمين والمسلمات سعادة الدنيا والآخرة والفوز برضوانه وجنَّته
وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وآله وصحبه.
[1] أخرجه أحمد وأبو داوود والترمذي وابن ماجة
[2] أخرجه الترمذي وأبو داوود
[3] أخرجه مسلم
[4] أخرجه البخاري ومسلم
[5] أخرجه البخاري ومسلم
[6] أخرجه مسلم
[7] أخرجه مسلم
[8] أخرجه مسلم
[9] متفق على صحته
[10] أخرجه البخاري ومسلم
[11] أخرجه مسلم
[12] متفق على صحته
[13] رواه الترمذي وقال حديث حسن
[14] أخرجه البخاري ومسلم
[15] أخرجه البخاري
[16] أخرجه البخاري ومسلم
[17] أخرجه أبو داوود وابن حبان
إنَّ الحمدَ لِله نحمدهُ ونستعينهُ, ونستغفرهُ, ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا, ومن سيِّئاتِ أعمالِنا, منْ يَهدهِ اللهُ فلا مُضلَ لهُ, ومنْ يُضلل فلا هاديَ له. وأشهدُ أنَّ لا إله إلا الله وحدهُ لا شريكَ له, وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسوله. (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) ) (آل عمران:102) . (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ) ) (النساء:1) . (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ) ) (الأحزاب:70-71) .
أما بعدُ: فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ الله, وخيرُ الهدي هديُ محمدٍ ص وشرُّ الأمورِ مُحدثاتُها, وكل محدثةٍ بدعة, وكلَّ بدعةٍ ضلالة, وكلَّ ضلالةٍ في النار .
أما بعدُ أيها المسلمون:
فقد عاشت الأمةُ قروناً طويلَة من الغفلةِ والضياع, والنومِ والسُباتِ العميق, حتى إذا ما أفاقت من غفلتِها وصحتْ من رقدتِها, إذا بها تجدُ نفسَها ممزقة العقائد, مبعثرةَ الأجزاء, منهكة القوى, ممَّا حدا ببعضِ المخلصين إلى محاولةِِ صُنعِ شيءٍ ما, يُُخلِّص أمتَهم من محنتِها, وينتشلُها من تخلفِها وتبعيتِها, فإذا بآمالهمِ وأحلامِهم تصدُم بعقبةٍ كؤود من قلةِِ الإمكاناتِ وشحِّ الموارد، وضُعف التمويل, إنَّ لديهم آمالاً في بناءِ المساجد, وإنشاءِ المدارسِ والمعاهد، لكنَّ المالَ شحيحٌ في أيديهم, إنَّ لديهم آمالاً في طباعةِ الكتبِ وكفالةِ الدعاة، لكنَّ المالَ شحيحٌ في أيديهم. إنَّ لديهم آمالاً في رعايةِ الأيتامِ والأرامل، وتعاهدِ الفقراءِ والمحتاجين، لكنَّّ المالَ شحيحٌ في أيديهم, إنَّ لديهم آمالاً في إطعامِ الجوعى, و إ رواءِ العطشِ وسترِ العُراة، لكنَّ المال شحيح في أيديهم. فما الحلُ يا ترى ؟! هل يكونُ الحلُ باستجداءِ أربابِ الأموال طلباً لإحسانِهم وصدقاتهم؟ أم يكونُ الحلُ باستعطافِ السحابِ أن يُمطرَ ذهباً وفضة ؟!أم يكون الحلُ برفع الرايةِ البيضاء, وإعلانِ الهزيمة والتراجع أمام ضغطِ الواقعِ ومرارتهِ ؟!أم يكونُ الحلُ فيما أرشدَ إليه النبيُ r بقوله (( لأن يغدوَ أحدُكم فيحطُب على ظهرهِ خيرٌ له من أن يسألَ رجلاً أعطاهُ أو منعه ذلك, فإنَّ اليدَ العُليا أفضلُ من اليدِ السفلى, وابدأْ بمنْ تعول ) ) [1] .