فهرس الكتاب

الصفحة 9040 من 9994

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً.

أما بعد:

أيها المسلمون!

اتقوا الله تعالى، وأطيعوه، وراقبوه في جميع تصرفاتكم وأفعالكم، فإنه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

واعلموا أن الشارع قد جعل لكل من الرجل والمرأة خصائص تناسبه ومجالاً يدور فيه، وحرم على كل واحد منهما التعدي على مجال الآخر، ومن ذلك أنه حرم تشبه الرجل بالمرأة، والمرأة بالرجل في لباس أو غيره في أي مجال من المجالات، وأكثر ما يحدث هذا في حالات التمثيل في الأندية وغيرها؛ حيث يقوم بعض الشباب بتمثيل دور امرأة في مسرحية، يلبس ثياب المرأة، ويضع الأصباغ التي تقربه من شكلها.

ومن العجب العجاب أن يقوم رجل فضله الله على المرأة وللرجال عليهن درجة [البقرة:228] . فينزل نفسه مختاراً إلى درجة المرأة؛ ليمثلها في لباسها وهيأتها وكلامها وهذا الشاب نفسه؛ لو قيل له: يا شبيه المرأة! لاستشاط غضبا، ورأى ذلك مسبة له!! فانظروا إلى هذا التناقض يغضب من قول يشبهه بالمرأة، ويراه مسبة له، ثم يحقق بنفسه تلك المشابهة، والفعل أبلغ من القول، ومن ثم، فإن المشاهدين لهذا الشخص سيسخرون منه.

فيا شباب الإسلام!

إن تمثيل الرجل لدور المرأة لن يحل مشكلة، وإصلاح المجتمع لا يكون بمثل هذه الطرق المحرمة؛ فالطرق المحرمة فاسدة بنفسها.

وهذا العمل أيضاً خطير من الناحية الشرعية؛ فقد ثبت في"صحيح البخاري"من حديث ابن عباس رضي الله عنهما؛ قال: (( لعن رسول الله المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال ) ) (3) .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال: (( لعن رسول الله الرجل يلبس لبسة المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل ) ).

ويدخل في هذا من فعل هذا الفعل من النساء والرجال، ولو لحظة؛ فإن بعض النساء حينما تكون في مناسبة، تتقمص شخصية رجل، وتلبس لباسه؛ لتضحك الحاضرات؛ فهي داخلة تحت هذا الوعيد.

واللعن هو الطرد والإبعاد عن مواقع الرحمة، وما أعظم خطره! فمن طرد وأبعد عن رحمة ربه؛ فهو خاسر في الدنيا وفي الآخرة.

قال عمر بن عبد العزيز: لقد خاب وخسر من خرج من رحمة الله التي وسعت كل شيء، وحرم جنة عرضها السماوات والأرض.

فاتق الله أيها الشاب في نفسك، واترك كل ما لا يليق بشهامة الرجال، ولا تشغل نفسك بما يضرك في دينك ودنياك، ولا يغرنك رفاق السوء الذين يزينون المعصية من جنود الشيطان، ولا تغرنك الحياة الدنيا فبعد الشباب هرم قريب أو موت أقرب، وبعد الموت بعث وجزاء، ثم تجد ما قدمت يداك: إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.

(1) رواه أبو داود .

(2) رواه مسلم.

(3) أخرجه أبو داود في ( كتاب اللباس ، باب لبس النساء ) ، وإسناده حسن .

سعود بن إبراهيم الشريم

مكة المكرمة

المسجد الحرام

محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية

ملخص الخطبة

1-التحذير من التشبه بالكفار. 2- أشكال من التشبه بالكفار. 3- الدعوة للرجوع إلى الكتاب والسنة. 4- استجابة المرأة لدعوات التشبه بالكفار.

الخطبة الأولى

أما بعد:

فأوصيكم أيها الناس ونفسي بتقوى الله عز وجل، اتقوه في السراء والضراء، وفي الخلوات والجلوات، اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِىْ خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:21] .

أيها الناس، إن الناظر المتأمل، في تاريخ الأمم والشعوب، ليعجب أشد العجب ولتأخذه الحيرة أخذا مسرعا، لما يظهر له مما يطرأ على الأمم والشعوب، من التغيرات والتقلبات، أمة قائدة رائدة، دهورا مديدة من الزمن، تعثر ركابها فسقطت رايتها، فإذا هي في مهاوي التقليد الأعمى، تتبع آثار الأمم سواها في كل نهج وسلوك، على حين أنها أمة في أعلى مراقي الحياة، وأوج العزة والقوة، إذا هي تتدهده في الحضيض الأوهد، والشقاء المؤصد، تموت بعد حياة، وتسفل بعد علو، وتذبل بعد إزهار.

كانت قد وردت مناهل هذا العلم، وتلك الحضارة الإسلامية البريئة، فصدروا عنها بملء سجلهم، وأجلبوا عليها بخيلهم ورجلهم، إلى أن خرج عنهم المفتاح فكأن الباب أغلق دونهم، وظهر من مشكاة الغرب مصابيح محرقة، فكأنما حيل بينهم وبين مصدر الرفعة الأسبق، وتسلط على عضدهم لسان من يعرف (( من أين تؤكل الكتف ) ). فأخذ المسلمون عنهم رسوما هي من حضارتهم مسترقة، وعلقوا أشنانهم بطبقاتهم، فوافق شن طبقه، فيالها من غنيمة باردة! لم يوجف عليها من خيل ولا ركاب، ولم يزحف إليها بعدو عَيْدِيَّة، ولا بلحاق لاَحِق، وانسكاب سَكاَب (1) [1] .

أيها المسلمون، المقلد المحاكي لأهل الكفر والشرك إنما هو أذن وعين ولسان وقلم لنهجهم وفكرهم، يصلح بإفساد، ويداوي الحمى بالطاعون، فهو (كغاسل الحيض ببول أغيرا) ويعمل بتبعيته المهزومة ما يشبه قطع ثدي الأم، وهو في شفتي رضيعها المحضون. وما علم هذا الغِرُّ وأمثاله أن التقليد الأعمى للغرب، فيه ألغام مخبوءة، وأن حقوقنا ومروءاتنا مقتولة بتقليد أعمى، وغرور بليد.

أيها المسلمون، قال رسول الله: (( لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ ) )رواه البخاري ومسلم (2) [2] .

وللبخاري عنه أنه قال: (( لا تقوم الساعة، حتى تأخذ أمتي مأخذ القرون شبرا بشبر وذراعا بذراع، قيل: يا رسول الله، كفارس والروم؟ قال: ومن الناس إلا أولئك؟ ) ) (3) [3] .

فأخبر أنه سيكون في أمته مضاهاة لليهود والنصارى وهم أهل الكتاب، ومضاهاة لفارس والروم وهم الأعاجم.

كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالاً وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُواْ بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُواْ [التوبة:69] .

قال ابن عباس: (ما أشبه الليلة بالبارحة هؤلاء بنو إسرائيل شبهنا بهم) .

وقال ابن مسعود: (أنتم أشبه الأمم ببني إسرائيل سمتا وهديا، تتبعون عملهم حذو القذة بالقذة، غير أني لا أدري أتعبدون العجل أم لا؟) .

عباد الله، لقد كان النبي ينهى عن التشبه بهؤلاء وهؤلاء، وليس هذا إخبارا عن جميع الأمة؛ بل قد تواتر عنه أن طائفة من أمته ظاهرة على الحق حتى تقوم الساعة.

فالمسلمون هم أهدى الناس طريقا، وأقومهم سبيلا، وأرشدهم سلوكا في هذه الحياة. وقد أقامهم الله تعالى مقام الشهادة على الأمم كلها وَكَذالِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة:143] .

وإن هذا المقام مقامٌ عزيز كريم، كيف يتناسب معه أن يكون المسلمون أتباعا لغيرهم من كل ناعق؟ يقلدونهم في عاداتهم، ويحاكونهم في أعيادهم وتقاليدهم، ورسول الله نهى المسلمين جميعا أن يتلقوا عن أهل الكتاب. فعن جابر أن عمر بن الخطاب أتى إلى النبي بكتاب أصحابه من بعض أهل الكتاب، فقرأه عليه، فغضب وقال: (( لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به، أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده، لو أن موسى كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني ) )رواه أحمد وابن أبي شيبة (4) [4] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت