إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أمَّا بعدُ:
أيها المسلمون: أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فهي وصية الله للأولين والآخرين: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ} سورة النساء (131) . {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} سورة آل عمران (102) . {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} سورة النساء (1) . {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} سورة الحشر (18) .
ثم اعلموا - أيها المسلمون- أننا نعيش في زمان كثرت فيه الفتن والبلايا، وعظمت فيه المحن والرزايا، وادلهمت فيه الخطوب، وتجلت فيه الكروب. إنه زمان ملئت فيه الدنيا جوراً وظلماً، وأسند الأمر فيه إلى غير أهله، ونطق الرويبضة، وساد السفيه، وتمكن الخائن، وقيل للحق باطل، وللباطل حقاً،-ولا حول ولا قوة إلا بالله-، وهذا ما أخبر به- عليه الصلاة والسلام- مما سيقع في آخر الزمان؛ كما في الحديث الذي حدث به أنس بن مالك وأبي هريرة-رضي الله عنهما- حيث قالا: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: (سيأتي على الناس سنوات خداعات, يُصدَّقُ فيها الكاذبُ، ويُكذَّبُ فيها الصادقُ، ويُؤتمن فيها الخائن، ويُخوَّن فيها الأمين، وينطق الرُّويبضة) ، قيل: وما الرَّويبضة؟ قال: (الرجل التافه يتكلم في أمر العامة) 1. قال ابن الأثير- رحمه الله-: الرويبضة تصغير الرابضة، وهو العاجز الذي ربض عن معالي الأمور، وقعد عن طلبها، وزيادة التاء للمبالغة. والتافه: هو الخسيس الحقير2.
أيها الناس: في هذا الحديث عَلَمٌ من أعلام نبوته-صلى الله عليه وسلم-؛ فإنَّ المتأمل والناظر في واقع الناس اليوم، وما نحن عليه يعلم يقيناً صدق ما أخبر به النبي-صلى الله عليه وسلم-، ويتقين أننا في تلك السنين التي أخبر النبي بأنها ستأتي، فلقد أتت، فلقد صُدِّق في هذا الزمان-والله والذي لا إله إلا هو- الكاذب، وكُذب فيه الصادق، وائتمن فيه الخائن، وخوّن فيه الأمين، وتكلم الرويبضة في قضايا الأمة العامة، وأسند الأمر إلى غير أهله!.
أيها المسلمون: لقد طعن الرويبضات في الإسلام باسم الإسلام، فكم رأيناهم يتباكون على الإسلام وهم أبعد الناس عنه. يسمون التمسك بالإسلام تطرفاً، والدفاع عن المسلمين ومقدساتهم إرهاباً، ونسوا- أو تناسوا-أنَّ التطرف هو الانحلال الخُلُقي والمسخ الخَلْقي الذي يعيشونه، والإرهاب هو ما يمارسونه ليل نهار في حق المستضعفين في فلسطين، وغيرها من بلاد المسلمين، ولكنها كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً. إنها كلمات تلقوها من أساتذتهم من اليهود والنصارى! فنعقوا بها في كل واد وناد، وبها يتيهون ويهيمون، ونقنقوا بها نقنقة الضفادع الغائرة في الطين، وليتهم عرفوا مدلولها الشرعي فهي حجة عليهم، لكن مصيبتهم أنهم لا يُحسنون إلا ترديد الببغاوات. إن هؤلاء الرويبضات ديدنهم الكذب، وشعارهم التدليس، لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة، نذروا أنفسهم للشيطان، وتمردوا عن طاعة الرحمن، وفسقوا عن أمر ربهم خالق الإنس والجان، إذا رأوا عالماً أو طالب علم ولَغوا في عرضه ولوغ الكلاب في النتن، فتارة يتغامزون، وأخرى يهمزون ويلمزون، غافلون... عن قول الحق: {وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ} سورة الهمزة (1) . وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ} سورة المطففين (29) (30) . وقوله: {إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ} سورة المؤمنون (109) (110) (111) .