وقال سبحانه: (( وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ) ).
وقال تعالى: (( يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) ) (الروم:5) 0
أفبعد هذه الآيات المحكمات الواضحات يسوع لمؤمن بالله تعالى أن يطلب العز والنصر من غير الله تعالى، أو يبتغيه في غير دينه ، وقد قضى سبحانه بأن من نصره بالتمسك بدينه فسوف ينصره على أعدائه ؟
أيسوغ لمسلم أن يقنط من رحمة الله تعالى وهو يقرأ كتابه ؟ أو ييأس من عودة القوة والعزة والكرامة للأمة المسلمة ؛ لتحكم في الأرض بالعدل وقد امتلأت جورا وظلما ، وهو يعلم أن العاقبة للتقوى ، وأن المستقبل لهذه الأمة ، وأن دين الله تعالى عزيز رغم ضعف المسلمين؟
نحتاج فقط إلى التوبة النصوح التي يتخلص بها كل واحد منا من ذنوبه ، ويستشعر مسؤوليته ، ويحاسب نفس ، ويراقب الله تعالى في كل شؤونه ، ويسعى في نصر المستضعفين من المسلمين في كل مكان بكل ما يستطيع من أنواع النصرة ، مع ثقته بربه عز وجل ، والإكثار من الدعاء والتضرع بين يديه سبحانه ؛ فإن الدعاء سلاح لا يخطئ ، وقوة لا تغلب ، وما تسلح الفاتحون من أسلافكم بسلاح أمضى منه ، سأل سليمان بن عبد الملك موسى بن نصير عليهم رحمة الله تعالى: (ما كنت تفزع إليه عند الحرب ؟ قال: الدعاء والصبر) ولما صافَّ قتيبة بن مسلم رحمه الله تعالى للترك ، وهاله أمرهم سأل عن محمد بن واسع رحمه الله تعالى ، فقيل: (هو ذاك في الميمنة ، جامح على قوسه ، يبصبص بأصبعه نحو السماء ، قال: تلك الأصبع أحب إليَّ من مئة ألف سيف شهير وشاب طرير) وكان صلاح الدين رحمه الله تعالى إذا سمع أن العدو داهم المسلمين خر ساجداً لله قائلاً: إلهي، قد انقطعت أسبابي الأرضية في دينك ، ولم يبق إلا الإخلاد إليك، والاعتصام بحبلك والاعتماد على فضلك، أنت حسبي ونعم الوكيل .
فثقوا بربكم -أيها المسلمون- وتعلقوا به ، وتوبوا إليه ، واسألوه فإنه سميع قريب مجيب وصلوا وسلموا على أشرف خلق الله أجمعين محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه أجمعين.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الله صلي وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين وعلى آل محمد الطيبين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد فاتقوا الله معاشر المسلمين وراقبوه واعملوا بطاعته وأسالوه القبول والتوفيق (( فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلهُ يَجْعَل صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء ) ) (الأنعام:125) .
إخوة الإسلام: وسبق الحديثُ عن طرف من الصدق بمفهومه الواسع ومجالاته المتعددة، ونماذج من سير الصادقين، ومع أهمية الحديث في ذلك فيبقى الأهمُّ من ذلك امتحانُ النفس على الصدق، واكتشافُ مكمن الداء والوقوفُ على الدواء، وعرضُ واقعِ النفس على سمات الصادقين ومدى قربها أو بعدها من واقع المجاهدين الصادقين .
وليس يخفى إن محاسبة النفس بشكل عام ومع الصدق بشكل خاص أمرٌ ليس بالهين، وقد يخفق فيه كثيرٌ من الناس لكن ذلك هو الطريقُ الأقوم لعلاجها واستصلاحها، فمن الناس من لا يعرف عيوب نفسه، ومنهم من يعرفها لكن يصعب عليه علاجُها، فإذا توفر العلمُ وأمكن العلاج سار المرءُ في ركاب المتقين وانضم إلى زمرة الصادقين، وزمرُة الصادقين من خيار خلق الله أجمعين، وفي مقدمتهم الأنبياء والمرسلون عليهم أفضلُ الصلاة وأزكى التسليم، يقول تعالى: (( وَاذْكُرْ فِي الكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً * وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً ) ) ( مريم: 56،57) .
ويقول جلّ ذكرهُ: (( وَاذْكُرْ فِي الكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيّاً ) ) (مريم:41) .
وقال جلّ ثناؤه: (( وَاذْكُرْ فِي الكِتَابِ إِسْمَاعِيل إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا ) ) (مريم:54 ) .
واشتهر يوسف عليه السلام بالصدق كما قال تعالى: (( يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ ) ) (يوسف:46) .
وجاء محمدٌ صلى الله عليه وسلم بالصدق وعُرف به وبغيره من محاسن الأخلاق كما زكاه ربُّه وقال في وصفه: (( وَإِنَّكَ لعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) ) (سورة القلم:4) .
وفوق ذلك كلِّه فالصدق قد تسمى به الُله عز وجل، ونسبه إلى نفسه، فقال: (( وِإِنَّا لصَادِقُونَ ) ) (الأنعام: 146) . (( قُل صَدَقَ اللّهُ فَاتَّبِعُواْ مِلةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ) ) (آل عمران:95) .
هذه المكانةُ العليّةُ للصدق، حريةٌ بالبحث عن أسبابها، وهذا الذكرُ الحسنُ للصادقين موجبٌ لمعرفةِ سمات الصادقين، فما هي يا تُرى أبرزُ السمات التي يُعرف بها الصادقون؟ وما هي الأسبابُ الجالبةُ للصدق مع الله والمعينةُ عليه بإذن الله.
وقبل الحديث في هذا وذاك أعتذر إلى ربي صادقاً، وأعتذر إليكم ثانياً وكل منّا أدرى بنفسه وتقصيره ولئن لم نبلغ درجة الصادقين فنشهد الله على محبتهم ونسأل الله أن يحشرنا معهم فقد سُئل النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم فقال رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (( الرجلُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ ) )اللهم لا تحرمنا فضلك وجودك بسبب ضعفنا وتقصيرنا.
السمة الأولى للصادقين: فهي الصدقُ في الأداء والعمل بمجالات الصدق السابق ذكرُها، كالصدق في القول دائماً، والوفاء بالعهود أبداً، والالتزام بالوعود تعبداً، والصدق في النوايا وتجريد الأعمال خالصةً لوجه الله، وثمة مجالٌ مهمٌ من مجالات الصدق هو أعلاها وأعزُّها ألا وهو الصدق في مقامات الدين وهو باختصار: الصدقُ في الخوف والرجاءِ، والتعظيم، والزهدِ، والرضا، والتوكل، والحبِّ، وما شابه ذلك، قال أبو سعيد القرشي: الصادقُ الذي يتهيأ له أن يموتَ ولا يستحي من سره لو كشف، قال تعالى مُعرِّضاً بطائفةٍ من الكاذبين: (( فَتَمَنَّوُاْ المَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) ) (البقرة:94) .
وقيل: حقيقةُ الصدق أن تصدق في موطن لا ينجيك منه - ظاهراً- إلا الكذب (الصدق والصادقون، أحمد خليل جمعة/42) .
السمة الثانية: الإقبالُ على الطاعات، والمسارعةُ في الخيرات والضربُ بسهم في شتى القربات، يقول الإمام ابنُ القيم رحمه الله في معرض حديثه عن صدق التأهب للقاءِ الله وهو يتحدث عن همم الناس واختلافهم في الإكثار من أنواع الطاعات،"ومنهم جامعُ المنفذ، السالكُ إلى الله في كل واد، الواصلُ إليه من كل طريق، قد ضرب مع كل فريق بسهم فأين كانت العبوديةُ وجدتّه هناك: إن كان علم وجدته مع أهله أو جهاد وجدته في صفوف المجاهدين، أو صلاة وجدتَه في القانتين، أو ذكر وجدته في الذاكرين، أو إحسان ونفع وجدته في زمرة المحسنين، أو محبة ومراقبةٌ وإنابة إلى الله وجدته في زمرة المحبين المنيبين، يدينُ بدين العبودية أنّى استقلت ركائبها، ويتوجهُ إليها حيث استقرت مضاربها، لو قيل له ما تريد من الأعمال؟ لقال: أُريدُ أن أُنفّذَ أوامر ربي حيث كانت، وأين كانت، جالبةًّ ما جلبت، مقتضيةً ما اقتضت، جمعتني أو فرقتني، قد سلمتُ إلى ربي المبيع منتظراً منه تسليم الثمن" (طريقة الهجرتين 167-171، عن: وكونوا مع الصادقين/98 ، عبد العزيز الجليل ) .