إعداد: د.عبدالله شاكر الجنيدي
الحلقة الرابعة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فالشرك الأصغر: هو النوع الثاني من أنواع الشرك بعد الأكبر، وهو لا يخرج من الملة، ولكنه قد يحبط العمل الذي يصاحبه أو ينقص ثوابه، وفي كلا الحالين فهو إثم يوجب العقوبة إلا أن يعفو الله عز وجل (1) ، وقد خاف النبي صلى الله عليه وسلم على أمته منه، كما جاء في حديث محمود بن لبيد أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال:"إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر". قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء."يقول الله عز وجل يوم القيامة إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاءً".
{أحمد في مسنده 5-428، 429}
والمراد بالرياء في هذا الحديث هو يسيره، لا النفاق الاعتقادي الأكبر المخرج من الملة، وذلك أن الرياء قد يطلق ويراد به النفاق الأكبر كما جاء في قوله تعالى: كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر
{البقرة264}
قال ابن كثير في تفسيره:"أي: لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى، كما تبطل صدقة من راءى بها الناس فأظهر لهم أنه يريد وجه الله، وإنما قصده مدحة الناس له، أو شهرته بالصفات الجميلة ليشكر بين الناس، أو يقال: إنه كريم، ونحو ذلك من المقاصد الدنيوية، مع قطع نظره عن معاملة الله تعالى وابتغاء مرضاته وجزيل ثوابه، ولهذا قال: ولا يؤمن بالله واليوم الآخر". {تفسير ابن كثير 1-470}
وطريقة التفريق بين الرياء الذي هو النفاق الأكبر، وبين الرياء الذي سماه النبي صلى الله عليه وسلم شركًا أصغر حديث:"إنما الأعمال بالنيات". {البخاري: 1-9، ومسلم 3-1515}
فالنية هي التي تفرق بينهما، وقد وضح ذلك وفصله الشيخ حافظ الحكمي فقال:"فإن كان الباعث على العمل هو إرادة غير الله عز وجل والدار الآخرة فذلك النفاق الأكبر، وإن كان الباعث على العمل هو إرادة الله عز وجل والدار الآخرة، ولكن دخل عليها الرياء في تزيينه وتحسينه فذلك هو الذي سماه النبي صلى الله عليه وسلم الشرك الأصغر وفسره بالرياء العملي". {معارج القبول: 1-454}
ولخطورة هذا النوع من الشرك أيضًا، ولخفائه أحيانًا، وصيانة لجانب التوحيد، فقد سدَّ الشارع كل الوسائل المفضية إلى الوقوع فيه، وسنبين ذلك من خلال المبحثين التاليين:
المبحث الأول: سد الذرائع في الألفاظ:
لقد تهاون كثير من الناس في هذه المسألة، وأصبحوا يطلقون كلمات توقعهم في هذا اللون من الشرك، ولكثرة وقوعه وانتشاره كان الحديث عنه، ومن أمثلة سد الذرائع في هذا الباب ما يلي:
أ- النهي عن الحلف بغير الله:
نهى الإسلام عن الحلف بغير الله كما في حديث عمر رضي الله عنه قال: قال لي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم". {البخاري 11-530}
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول:"من حلف بغير الله فقد كفر". {الترمذي 5-135} ، قال الترمذي بعد سياقه:"هذا حديث حسن. وتفسير هذا الحديث عند بعض أهل العلم أن قوله: فقد كفر أو أشرك". على التغليظ، والحجة في ذلك حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع عمر يقول: وأبي وأبي، فقال:"ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم". وحديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"من قال في حلفه: واللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله".
وهذا مثل ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"الرياء شرك"، وقد فسر بعض أهل العلم هذه الآية: فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا الآية. قال: لا يرائي". {الترمذي: 5-136، 317} "
قال ابن حجر:"والتعبير بقوله: فقد كفر أو أشرك للمبالغة في الزجر والتغليظ في ذلك، وقد تمسك به من قال بتحريم ذلك". {فتح الباري: 11-531}
قال أبو جعفر الطحاوي:"ولم يرد به الشرك الذي يخرج من الإسلام حتى يكون به صاحبه خارجًا عن الإسلام، ولكنه أراد أنه لا ينبغي أن يحلف بغير الله تعالى، لأن من حلف بغير الله تعالى فقد جعل ما حلف به محلوفًا به، كما جعل الله تعالى محلوفًا به، وبذلك جعل من حلف به أو ما حلف به شريكًا فيما يحلف به، وذلك أعظم، فجعله شركًا بذلك شركًا غير الشرك الذي يكون به كافرًا بالله تعالى خارجًا عن الإسلام".
قال الشيخ الألباني بعد نقله لهذا الكلام:"يعني- والله أعلم- أنه شرك لفظي وليس شركًا اعتقاديًا، والأوْلى تخريجه؛ من باب سد الذرائع، والآخر محرم لذاته، وهو كلام وجيه متين". {سلسلة الأحاديث الصحيحة: 1-217}
ب- النهي عن قول:"ما شاء الله وشئت".
قال البخاري في صحيحه:"باب لا يقول: ما شاء الله وشئت".