فهرس الكتاب

الصفحة 8857 من 9994

فيا من أسرَفَ على نفسِهِ بالذنوبِ ..أيُّ خيرٍ فاتَكَ ..إذا فاتَكَ خيرُ رمضَانَ ؟!! وأيُّ شيءٍ أدرَكَ من أدرَكهُ فيه الحرمانُ ؟ كمْ بينَ من حَظُّهُ فيه القبولُ والغفرانُ ..ومن كان حَظُّه فيه الخيَْبةُ والخسرانُ ؟!! لما صعدَ النبيُ r المنبرَ قال: أمينَ ..أمينَ ..أمينَ ..قيلَ يا رسولَ اللهِ علامَ أمَّنْتَ ؟ قال: أتاني جبريلُ فقال يا محمدُ: رغِمَ أنفُ رجلٍ دخلَ عليه شهرُ رمضانَ ثم خرجَ فلَمْ يُغْفَرْ له . قلْ: آمينَ ..فقلتُ: آمينَ . الحديثَ رواهُ ابنُ خزيمةَ وغيْرُهُ .

هاهيَ العشرُ الأواخرَ فرصةً لِتُصْلِحَ ما قدْ أفْسَدْتَهُ في الأيامِ الماضيةِ.

فقم نادماً ولاتتوانى:

يا أخيْ شمِّر ودعْ عنك الكسَلَ فازَ من قد كان باللهِ اتصَل

قمْ يا أخيْ إلى اللهِ بقلبٍ خاشعٍ ، وانتظمْ في سِلْكِ الذين تتجافى جنوبُهم عن المضاجعِ ، فما تراهم إلا بين ساجدٍ وراكعٍ ..

تيقظْ بساعاتٍ من الليلِ يا فتى لعلكَ تحظى بالجنانِ وحورِها

فتنعمَ في دارٍ يدوم نعيمها محمد فيها والخليل بدورها

فيا أخي الحبيب: إن جوفَ الليل ملاذُ الخائفين ، ولذةُ المتعبدين ، وأنسُ المسْتوحشين ، ونعيمُ الطائعين ، ومناجاةُ المحبين ، وقرةُ عيِن المحسنين ..فجنوبُهم عن المضاجعِ واجفةٌ ، وقلوبُهم من خشيةِ اللهِ خائفةٌ ، ونفوسُهم لرحمةِ اللهِ طامعةٌ ، وألسنتُهم بالاستغفارِ والدعاءِ لاهجةٌ ، سكبوا العبراتِ ، وتعالتْ منهم الآهاتُ والأناتُ ، وكلما تذكروا الذنوبَ والزلاتِ ..ارتفعتْ منهم الصيحاتُ ، ورفعوا أيديَهم إلى ربِ الأرضِ والسماواتِ وقالوا: ] رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ [ (آل عمران: من الآية193) فكان الجوابُ من ربِ البرياتِ ] فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ[ (آل عمران: من الآية195)

فيا أيها المذنبُ ـ وكلُنا كذلكَ ـ قمْ في وقتِ الأسحارِ ، وقِفْ على قَدمِ الانكسارِ ، وارفعْ رسائلَ الاعتذارِ لربكَ الغفارِ ..لعلك توفق لتوبةٍ قبل دنوِ الاحتضار ..يقول الله تعالى:]إنما التوبةُ على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما . وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما[

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم

الخطبة الثانية

أيها الأخوةُ في اللهِ: عندما تنزل المحنُ و تشتدُّ الخطوبُ وتتوالى الكروبُ وتعظمُ الرزايا وتتابعُ الشدائدُ ، لن يكونَ أمامَ المسلمِ إلا أن يلجأَ إلى اللهِ تعالى ويلوذَ بجانبِهِ ، ويضرعَ إليه راجياً تحقيقَ وعْدِهِ ، الذي وعَدَ به عبادَه المؤمنين إذ يقول الله تعالى وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ { [غافر:60] ويقول وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ{ [البقرة:186] فإني قريبٌ ..أجيبُ دعوةَ الداعِ إذا دعانِ ..أيةُ رقةٍ ؟ وأي إيْناسٍ ؟ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ (البقرة: من الآية186) أضافَ العبادَ إليه ، والردُ المباشرُ عليهم منه ..ولم يقلْ: فقلْ لهم: إنِّي قريبٌ ..إنما تولى بنفسِهِ جلَّ جلالهُ الجوابَ على عبادهِ بمجردِ السؤالِ فقطْ ! ..قريبٌ ..ولم يقلْ أسمعُ الدعاء َ..إنما عجَّل بإجابةِ الدعاءِ: ] أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ[ .. إنها آيةٌ عجيبةٌ .. آيةٌ تسكبُ في قلبِ المؤمنِ النداوةَ الحلوةَ ، والوِدَّ المؤُنسَ ، والرضى الُمطَمْئِنَ ، والثقةَ واليقين ..ويعيشُ منها في جنابٍ رضيّ وقربى نديةٍ ، وملاذٍ أميٍن وقرارٍ مكينٍ ،قال عليه الصلاة والسلام:"ينزلُ ربُنا تباركَ وتعالى كلَّ ليلةٍ إلى السماءِ الدنيا حينَ يبقى ثلثُ الليل الآخرِ فيقولُ:من يدعوني فأستجيبَ له ، ومن يسألني فأعطيَه ، ومن يستغفرُني فأغفرَ له"رواه مسلم (1) وعن أبي هريرة رضي الله عنه قالَ قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:"إنه من لم يسألِ اللهَ يغضبْ عليه" (2)

أيها الأخوة في الله: إنَّ شأنَ الدعاءِ عظيمٌ ..فهو نعمةٌ عظمى ..ومنحةٌ كبرى ..جَادَ بها المولى ..فما استُجْلِبَتِ النعمُ بمثلِه ..ولا استُدْفِعَتِ النقمُ بمثلِه ، فما أشدَّ حاجةَ العبادِ إلى الدعاءِ ..بل ما أعظمَ ضرورَتَهم إليه ، فالمسلمُ في هذه الحياةِ لا يستغني عن الدعاءِ بحالٍ من الأحوالِ ،خاصةً في مثل الموسمِ العظيمِ ..موسمِ الرحماتِ ..وإجابةِ الدعواتِ ..

فاتق اللهَ أيها المسلمُ ..وتضرعْ إليه ..وانطرح بين يديه ..متضرعاً خاشعا..نادماً باكياً .. وادعِ اللهَ وأنتَ موقنٌ بالإجابةِ ولا تُقعدنَّك عن الدعاءِ الغفلةُ أو الركونُ إلى ضلالِ الضالين وشُبَهِ المنحرفين ..فإن للدعاءِ أثرُه الواضحُ الفعالِ ..في تحقيقِ الرغائبِ وبلوغِ الآمالِ:

سهام الليل لا تخطي ولكنْ لها أمدٌ وللأمدِ انقضاءُ

وحسبُك بالدعاءِ ..أنه هو العبادةُ التي تُفتحُ بها أبوابُ الرحمةِ ..إذا توجَّهَ به العبدُ إلى ربهِ راغباً راهباً ..نالَ رضاهُ ..وبلغَ به فوقَ ما تمناهُ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ. وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ{[الأعراف:55-56

ولكن يا حسرة على العباد ..من يستعمل هذا السلاحَ المعطل ...من يوجه سهامه على الأعداء ..من يرفع يديه إلى السماء ..بقلب خاشع .. وصدق عمرُ رضي الله عنه حينما قال: أنا لا أحمل هم الإجابة ..ولكن أحمل هم الدعاء ..ولكن أحمل هم الدعاء .

الله الله أيها المسلمون ..بالدعاء ..خاصة في مواسم النفحات ..وإجابة الدعوات ..الله الله في الدعاء للضعفاء والمساكين ..الله الله في الدعاء للمشردين المستضعفين ..الله الله في الدعاء للمجاهدين الصابرين ..الله الله في الدعاء على المنافقين المفسدين ..ألحوا على الله تعالى بالدعاء ..فإن الله تعالى قريب يجيب دعوة الداعي إذا دعاه ..

اللهم يا حيُ يا قيومُ ..أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ..اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عنا ..اللهم إنا نسألك توبة قبل الموت ..وراحة عند الموت ..وجنة بعد الموت ..اللهم أقبل توبتنا ..واغسل حوبتنا ..وتجاوز عن سيئاتنا ..

[1] -ورقمه (1901) البخاري من حديث أبي هريرة t

(1) رواه مسلم ورقمه (1261) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .

(2) رواه الترمذي ورقمه (3373) وابن ماجه ورقمه (3827) بلفظ:"من لم يدع الله غضب عليه"وحسنه الألباني .

بسم الله الرحمن الرحيم

الخطبة الأولى

إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت