فهرس الكتاب

الصفحة 7819 من 9994

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:"والاجتماع والائتلاف من أعظم الأمور التي أوجبها الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا الأصل العظيم وهو الاعتصام بحبل الله جميعاً وأن لا يتفرق هو من أعظم أصول الإسلام، ومما عظمت وصية الله تعالى به في كتابه، ومما عظم ذمه لمن تركه من أهل الكتاب وغيرهم، ومما عظمت به وصية النبي صلى الله عليه وسلم في مواطن عامة وخاصة". اهـ

فحري بكل مخلص لربه، متبع للسنة، ناصح للأمة: أن يسعى في كل طريق صحيح يجمع كلمة المسلمين على الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، وأن يجتنب كل طريق يؤدي إلى الشقاق والفرقة والاختلاف، ولو سعى كل مسلم في بيان الحق، والنصح للخلق، بحسب استطاعته لتقاربت كثير من القلوب المتباعدة، ولأزيل كثير من الاختلاف والشقاق الذي يوجب العداوة والبغضاء بين الناس، وحسب كل مسلم أن يعلم أن الله تعالى قد حصر الأخوة في الإيمان فقال سبحانه: (إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) . [الحجرات: 10] .

واتباع السنة، والتجرد للحق، والبعد عن الهوى، هو سبب الاجتماع والألفة، كما أن الابتداع، والميل إلى الهوى هو سبب التفرق والاختلاف.

نعوذ بالله تعالى من الهوى والردى، ونسأله الموافاة على الإيمان والسنة، آمين يا رب العالمين.

وأقول ما تسمعون وأستغفر الله تعالى لي ولكم، فاستغفروه، إنّه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله حمداً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الحمد في الآخرة والأولى، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، العبد المجتبى، والنبي المصطفى، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه واقتفى. أما بعد:

فاتقوا الله تعالى وأطيعوه: (وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ) . [البقرة: 223] .

أيها الناس:

الاختلاف والتفرق في الأمة ينتج عن أحد سببين كبيرين أو كليهما، وكل ما يذكر من أسباب أخرى فلا تخرج عن أحد هذين:

أما السبب الأول: فالشبة في الدين، وهي التي تقود إلى أنواع من البدع والضلالات، كبدعة المرجئة والخوارج والقدرية وغيرهم.

وأما السبب الثاني: فشهوة الدنيا، وهي التي تؤدي إلى التنافس على السلطان والجاه والمال فيختلف الناس عليها، ويفترقون من أجلها، وقد يقتتلون بسببها.

وكل دول الإسلام التي سقطت في القديم والحديث إنما سقطت بهذين السببين أو أحدهما:

فدولة الخلافة الراشدة أُحدث في آخرها بدعة الخروج على السلاطين، وتبعتها بدعة الغلو في علي وآله رضي الله عنهم بسبب شبهات عرضت لأصحابها، ومنافقين روجوها على الناس، مع ما داخل القلوب من حب الدنيا، والتنافس فيها، فزالت الخلافة الراشدة بسبب ذلك.

وفي أخريات الدولة الأموية دبّ الخلاف على الدنيا في البيت الأموي، واشتد التنافس على مناصب الخلافة، فأدى ذلك إلى الفرقة التي كانت سبباً في ضعف الأمويين وسقوط دولتهم.

وأمّا الدولة العباسية فظهرت فيها كثير من البدع اليونانية والرومانية والفارسية على إثر ترجمة كثير من كتبهم، وتمكن أهل البدعة فيها، وكان ذلك على يد الوزير ابن العلقمي، والذي أجمع المؤرخون على أنه من أسقط الخلافة العباسية تحت أقدام المغول.

وأما الخلافة العثمانية ففي أخرياتها ظهر القول بالبدعة القومية، وقد كان المسلمون قبلها يجمعهم الإسلام، ففرقهم الأعداء بهذه البدعة، ففاخر الترك بطورانيتهم، واعتز الفرس بفارسيتهم، وقيل للعرب أن يفخروا بعروبتهم، وصار كل أهل عرق وقومية يوالون ويعادون في عرقهم حتى فرقت الأمة شذر مذر، ووجد الأعداء من يعينهم من المسلمين في القضاء على دولتهم، فقضي على الدولة العثمانية، وفرقت تركتها إلى دويلاتٍ أُريد لها أن تزداد تفرقاً إلى تفرّقها بإحياء النعرات القومية والوطنية والطائفية؛ لئلا يعود للمسلمين وحدة البتة.

وأما الأندلس التي ما بقي للإسلام فيها إلا خبر يُذكر، وأثر يُبصر، ولا دولة لهم فيها البتة؛ فإن أعظم سبب لسقوطها كان خلاف ملوكها وأمرائها على الدنيا وزينتها، حتى إن الأخ ربما تحالف من النصارى وسلمهم ديار المسلمين؛ ليعينوه على أخيه ابن أمه وأبيه، بل إن الابن قد ينقسم عن ملك أبيه، ويعلن الخروج عليه فيعينه النصارى على ذلك لإلحاق الوهن بالإسلام، وللفتِّ في عضد المسلمين وتمزيقهم، حتى انتهت دولتهم بسبب ذلك.

وكان منتهى مأساة الأندلس في غرناطة على يد آخر ملوكها أبي عبد الله الزغل، الذي لقب بالملك الشقي، وكان على خلاف شديد مع عمه على السلطة، وكل واحد منهما حالف النصارى ضد صاحبه.

أما العم فناله من الإهانة والذل على أيدي النصارى ما ناله بعد أن حالفهم، فباع أملاكه وجاز بأمواله إلى المغرب؛ فقبض عليه ملك فاس بتهمة تضييعه لدولة الإسلام في الأندلس، وصادر أمواله، وسمّل عينيه، ورمى به في السجن، ثم أخلى سبيله، وآل حاله إلى الفقر والحاجة فطاف بالأسواق والمساجد يستجدي الناس، وعليه ثياب كتب عليها: هذا سلطان الأندلس العاثر الجد.

وأما ابن أخيه أبي عبد الله فسلّم غرناطة للنصارى بعد حكمٍ للمسلمين دام فيها سبعة قرون، وخرج منها ذليلاً، فلما أشرف على أكمة نظر إلى غرناطة موضع عزه وسلطانه فأجهش بالبكاء، فصاحت به أمه تقول له:"أجل، فلتبك كالنساء مُلكاً لم تستطع أن تدافع عنه كالرجال". وسميت هذه الأكمة بزفرة العربي الأخيرة، ولا زالت تعرف إلى اليوم، ولله الأمر من قبل ومن بعد، والحمد لله على كل حال.

أيها الإخوة:

بما سبق إيراده من نصوص الوحيين، ومن مواعظ التاريخ يعلم أن الاجتماع رحمة، وبه يقوى جانب المسلمين، وتهاب دولتهم، ولا يظفر الأعداء منهم بشيء، وأن الفرقة عذاب، وهي سبب الوهن والاضمحلال، ورفع الأمن، وحلول الخوف، وما ظفر أعداء الإسلام قديما وحديثا بدولة فأسقطوها واحتلوها إلا بسبب الفرقة والخلاف بين أبنائها، حتى ينبري الخونة منهم لإعانة أعداء الله تعالى؛ كي يحققوا مرادهم.

فمن أدرك ذلك حق الإدراك دان لله تعالى بلزوم الجماعة، والتزام الطاعة، وحذر أشد الحذر من شق عصا المسلمين، والشذوذ عنهم، وممالأة أعدائهم عليهم.

حفظ الله بلادنا وبلاد المسلمين من كل سوء ومكروه، ورد الكافرين والمنافقين والمفسدين على أعقابهم خاسرين إنه سميع قريب مجيب.

وصلوا وسلموا على نبيكم، فإنّ الله تعالى أمرنا بذلك في كتابه فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً)

بسم الله الرحمن الرحيم

الخطبة الأولى

( الم . غلبت الروم . في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون . في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ، ويومئذٍ يفرح المؤمنون . بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم )

إن أمتكم أيها المسلمون أمة منصورة ، أمة كتب الله لها البقاء ، أمة كتب الله لها الظهور على مر العصور ، إنها موعودة بوعد رباني ، و عهد نبوي ، يقول الله جل الله: ( ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز ) ويقول سبحانه ( والعاقبة للمتقين ) ويقول صلى الله عليه وسلم:"لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت