فإن كان موظفا حافظ على ساعات دوامه كاملا ولم يتشاغل عن واجبه الوظيفي بعمل خاص حتى يكون راتبه آخر الشهر من الحلال الطيب، وإن كان تاجرا لم يغش ولم يغرر بالمشترين ولم يكتم العيب عنهم ليكون ربحه من الحلال الطيب، وإن كان مقاولاً حافظ على شروط العقد فنفذها جميعا واكتفى برقابة الله عن كل رقيب ووضع نصب عينيه قول الله تعالى: (يأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) المائدة 1. وإن كان عاملاً لم يدخل في عمل لا يحسنه كما يفعل كثير من المسلمين فيفسدون أكثر مما يصلحون ولا يبالون بالأجر الذي يأخذونه أمن الحلال هو أم من الحرام؟.عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ أمن الحلال أم من الحرام) رواه البخاري . نسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة. وأن يكفينا بالحلال عن الحرام والمتشابه .عباد الله إن الله وملائكته يصلون على النبي يأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وارض اللهم عن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بعفوك وإحسانك وفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين وأذل الشرك واخذل المشركين ودمر أعداءك أعداء الدين . اللهم ادفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا والزلازل والمحن وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن ، اللهم انصر المجاهدين في سبيلك المضطهدين في دينهم في كل مكان، اللهم انصرهم ، وكن لهم عونًا وظهيرًا، وهيئ لهم من لدنك وليًا ونصيرًا، اللهم ارحم ضعفه واجبر كسرهم واشف مرضاهم واغفر لموتاهم برحمتك يا أرحم الراحمين.اللهم عليك باليهود المعتدين وسائر الكفرة الظالمين، اللهم ألق الرعب في قلوبهم، وفرق جمعهم وشتت شملهم ، وأنزل بهم بأسك الذي لايرد عن القوم المجرمين، يا قوي يا عزيز .اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين. ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولاتجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم . ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار .عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولاتنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً إن الله يعلم ما تفعلون.فاذكروا الله الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
الخطبة الأولى
الحمد لله؛ أنعم علينا بالإسلام، وبعث إلينا خير الأنام، وجعلنا من خير أمّة أُخرِجت للناس، أحمده حمداً طيباً كثيراً مباركاً فيه كما يحب ويرضى، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ بعثهُ الله تعالى بالهُدى ودين الحق؛ فهدى به من الضلالة، وأرشد به من الغواية، , وأبان به الحق من الباطل، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين0
أما بعد:
فأوصيكم - أيُّها الناس - ونفسي بتقوى الله عز وجل {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ، وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } 0
أيها الناس:
حق النبي صلى الله عليه وسلم على أمته عظيم، وفضله عليهم كبير؛ فبه صلوات الله وسلامه عليه أخرجوا من الكفر إلى الإسلام، ومن أسباب الشَّقاء إلى أسباب السَّعادة، ومن موجبات النار إلى موجبات الجنة0
كان عليه الصلاة والسلام رحيماً بأمته، حريصاً عليهم، يعز عليه ما يشق عليهم {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } ؛ ولذا كان يترك العمل وهو يريده خشيَة أن يفرض عليهم فلا يطيقونه0
كان عليه الصلاة والسلام يتألَّم لألمهِم ويصبر على أذاهم، ويفرح بهدايتهم، ويخشى عذابهم، ويدعو لهم؛ كما روى عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عز وجل في إبراهيم رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ الن
اسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وقال عيسى عليه السلام {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } فرفع يديه وقال: اللهم أمَّتي أمَّتي وبكى، فقال الله عز وجل: يا جبريل، اذهب إلى محمد - وربك أعلم - فسله ما يُبكيك ؟ فأتاه جبريل عليه السلام فسأله، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال وهو أعلم فقال الله: يا جبريل اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك) رواه مسلم وفي رواية لأبي داود أن ذلك كان في صلاة الكسوف، وأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم: (نفخ في آخر سجوده فقال: أف أف ثم قال: رب ألم تعدني أن لاَّ تعذبهم وأنا فيهم ؟! ألم تعدني أن لاَّ تعذبهم وهم يستغفرون؟!)
ولكل نبي من الأنبياء عليهم السلام دعوة مستجابة، دعوا ربهم فاستجاب الله تعالى دعواتهم، وأعطاهم مسائلهم، إلاَّ رسولنا صلى الله عليه وسلم فإنَّه ادَّخر دعوته شفاعةً لأمَّته في موقف هم أحوج ما يكونون لشفاعتِه، فصلوات ربِّي وسلامه عليه صلاة وسلاماً دائمين ما تعاقب الليل والنهار0
إنَّ نبيا بلغ حرصه علينا، ورحمته بِنا هذا المبلغ لحري بِنا أن نؤمِن به ونصدقه، وأن نعزره ونوقره، وأن نتبعه ونطيعه، وأن نحبه أشد من محبتنا لأنفسنا وآبائنا، وأمهاتنا وأزواجنا، وأولادنا وأموالنا، فهو بفضل الله تعالى هدايتنا ونجاتنا، وهو حياتنا وسعادتنا، فما بعث به كان غيث قلوبنا وحياتها، وزكاء نفوسنا وصفاءها، وأعظم خير بلغنا - وهو الإيمان - إنما بلغنا عن طريقه، وأعظم شر خفناه - وهو الكفر - إنَّما جانبناه لأنَّ نبينا صلى الله عليه وسلم حذرنا منه، ومن مات منا على الإيمان، ونال الجنة والرضوان، فما نال ذلك إلاَّ بسبب النبي صلى الله عليه وسلم؛ فهل ترون لأحد حقا عليكم - بعد حق الله عز وجل - أعظم من حق أبي القاسم صلى الله عليه وسلم، بآبائنا هو وأمهاتنا وأولادنا وأموالنا0
لقد عرف السلف الصالح فضل النبي صلى الله عليه وسلم عليهم فأنزلوه المنزلة التي يستحقها، آمنوا به وأحبوه، وصدقوه وأطاعوه، ووقروه وعزروه، ولم يعبدوه من دون الله تعالى كما فعلت النصارى مع ابن مريم عليه السلام0
وأخبار الصحابة رضي الله عنهم في ذلك مستفيضة، وأخبار التابعين وتابعيهم فيه كثيرة0 يبكي واحدهم إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم عنده محبة له وتوقيرا وإجلالا، سئل الإمام مالك رحمه الله تعالى: (متى سمعت من أيوب السختياني؟ فقال: حج حجتين، فكنت أرمقه ولا أسمع منه، غير أنه كان إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بكى حتى أرحمه، فلما رأيت منه ما رأيت، وإجلاله للنبي صلى الله عليه وسلم كتبت عنه) 0