فهرس الكتاب

الصفحة 4439 من 9994

#حجب الغفلة وأسرار الاغترار

الشيخ الدكتور علي بن عمر بادحدح

الخطبة الأولى

أما بعد أيها الأخوة المؤمنون:

حُجب الغفلة كثيرة ، وأسباب الاغترار عظيمة ، وفتن تسري في حياة الناس تسلب منهم كثيراً من عقولهم الراشدة وفطرهم السوية .

ومن أعظم ما يقع به الاغترار القوة والسلطان والقدرة الذي يتولد عنه الطغيان والجبروت والهيمنة والغفلة عن حقيقة القوة العظمى لرب الأرض والسماوات سبحانه وتعالى ..كم نرى من الناس من اغتر بقوى البشر وبالقوى العظمى والتقدم العلمي وبالأسلحة الفتاكة والتقنية المتطورة ، ألست تسمعهم وهم يقولون أن أجهزة من التصنت تسمعك وأنت في عقر دارك ! وأنها ربما سمعت همسك وهي على بعد مسافات طويلة ، ألست تسمع من يقول لك إن الأجهزة تصوّرك وأنت تقرأ الجريدة في مكتبك ! وأن هناك أجهزة يمكن أن تعرف أين تذهب وأين تجيء ومع من تلتقي وماذا تفعل ؟ وأن هناك بعد ذلك أسلحة عظيمة وعابرات للقارات ونحو ذلك من العظمة المتناهية التي فُتن بها كثير من الناس ، فظنوا أن لأربابها أمر كل شيء والتصرف في كل شيء والقدرة على كل شيء ، ونسى وغفل أولئك عن القدرة المطلقة والمشيئة النافذة والجبروت العظيم ، والبطش القاهر لجبار السماوات والأرض سبحانه وتعالى .

ولقد جاءنا في كتاب الله - عز وجل - ما يحول دون هذه الغفلة ، وما يمنع من تلك الزلة ، وما يعصم من الاغترار والافتنان والافتتان بقوى الأرض مهما عظمت وبأحوال البشر مهما كبرت ، ويبقى للمؤمن التعلّق الأعظم بالله - جل وعلا - الذي أمره بين الكاف والنون .. الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء سبحانه وتعالى .

المثل الظاهر البيّن للقوة الباغية الطاغية في القرآن الكريم في نموذج فرعون .. فرعون الذي صوّرته آيات القرآن تصويراً عندما نتدرج معه ونقف مع آيات الله - عز وجل - المعجزة في وصفه وبيانه نوى حقيقة كثير مما يخطئ فيه الناس ويضعف لأجله يقينهم ، ويخافون من غير الله ، ويتعلقون ويرجون غير الله ، ويثقون ويتوكلون على غير الله اغتراراً بتلك القوة ، وخوفاً من تلك السطوة قال فرعون:

{آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى } .

انظر إلى صورة الطغيان المغتر بقوته المستند إلى سطوته المعتمد على جنده المرتكز على آلته: { وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى } .

صورة واضحة من صور البغي والجبروت ،كان أتباع فرعون وأذياله وملأه قد أذعنوا لها فامتلأت قلوبهم رعباً منه وذلاً له وخضوعاً بين يديه وزلفى بكل تقرب وتضرع إليه واستمع إلى وصف الآيات القرآنية المعزة:

{ وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ } .

فماذا قال صاحب القوة والجبروت في ميزان قوى الأرض ومقياس البشر قال:

{ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ } .

ليس هناك أبلغ ولا أكثر توضيحاً وتصويراً لقوة فرعون وبغيه وصورة انتفاخهِ وغروره بتلك القوة من مثل هذه الآيات العظيمة المعجزة ، وهذه صورة أخرى أعظم وأوسع في طغيانه واغتراره:

{ وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ } .

تأمل هذه الصورة الطغيانية التي يتحدى فيها المخلوق الضعيف الحقير ربه وخالقه والقادر عليه وعلى الكون كله سبحانه وتعالى:

{ وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ } .

كأنه يتحدى قوة الله - سبحانه وتعالى - ويظن أن الأمر والدنيا قد دانت له ، وأن بيده مقاليد الأمور ، وأنه يطال كل شيء يريده وأنه يعرف كل شيء يحيط به ثم انظر إلى الصورة الأعظم والغاية التي انتهى إليها فرعون:

{ وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي } .

لقد بلغ في طغيانه ادعائه للألوهية وأنه إله الخلق:

{ وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحاً لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ * فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت