فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
#المحافظة على الكليات الخمس
الشيخ الدكتور علي بن عمر بادحدح
الخطبة الأولى
أما بعد أيها الأخوة المؤمنون:
تحدثت من قبل عن الثوابت المهمة في الأحوال الملمة لإظهار المرجعية الكلية المطلقة للشريعة الإسلامية الغرّاء ، وإظهار الحرمة العظيمة المعّظمة لدم المسلم وماله وعرضه ، وبيان المكانة والمنزلة الرفيعة لأمة الإسلام وأتباع محمد صلى الله عليه وسلم أمة الوسط والشهادة على العالمين التي لا تعطي الدنية في دينها والتي لا يجعل الله أهل الكفر عليها سبيلاً.
وذكرنا كذلك ما أخبرت به الآيات وما أفصحت عنه الروايات من بيان حقيقة الولاء والبراء عند الأعداء ، ولقد مرّ بنا حديث مهم فيما نحتاجه من الناحية العملية تعظيماً للإيمان وتوثيقاً وترسيخاً لليقين ثقة بالله ،وتوكلاً عليه ،واستمساكاً بدينه ، واعتصاماً بشرعه ، ويقيناً بأن النصر من عنده ،وأن الفرج بيده ،وأن الأمر كله بيده ومرجعه إليه ومنتهاه إليه سبحانه وتعالى.
وأشرنا إلى أن استنزال رحمة الله والتعرض لنصر الله إنما يكون بذلك الالتجاء الصادق ، والتضرع الخاشع ، والدعاء القانت لله - سبحانه وتعالى - ومزيداً من الأمور والثوابت والقضايا التي نحتاج إلى الكثير في معرفتها ؛ لنكون على بينة من أمرنا وعلى تعظيم لديننا ، وعلى افتخار واعتزاز بما أكرمنا الحق به - جل وعلا - لئلا تضطرب آرائنا أو تحتار أفكارنا أو تختلف مواقفنا ؛ فإن الله - سبحانه وتعالى - قد عصمنا بالشريعة الغرّاء من ضلال الأهواء وفساد الآراء .
وإن الله - سبحانه وتعالى - قد جعل لنا فيها من المحاسن والمصالح ما هو عند كل مؤمن يقين لا شك فيه ، وخبر صدق لا يتخلف أبدا ، فمتى أقيمت معالمها وطبقت أحكامها ونشرت عدالتها ؛ فإن في ذلك خيريّ الدنيا والآخرة ، وإن في ذلك سعادة الأفراد والمجتمعات ، وإن في ذلك حصول الأمن والآمان ، وإن في ذلك ظهور العزة والقوة لا ينبغي أن نشك في ذلك أدنى شك ولا في أدنى لحظة أو في أقل لحظة .
ولعلنا أيضاً نقف في هذا المقام لنزيد في مثل هذه المعاني فنذكر بعض محاسن الشريعة التي خدمها علماء الأمة فاستنبطوا من الكتاب والسنة ، وقرروا وأصلوا القواعد وأظهروا وبينوا المقاصد وعرفوا كيف يظهرون ما أكرمنا الله - عز وجل - به من دوام هذه الشريعة وصلاحها لكل زمان ومكان .
فنحن ينبغي أن نرجع للكتاب والسنة وإلى أحكام الشرع ومن ذلك في الواقع تنزيل هذه الأحكام بمراعاة المصالح ودفع المفاسد ، ومعرفة الترجيح بين هذه وتلك ويسبق هذا أن نعرف الجمل العظيمة والأصول الجامعة في كثير من المعاني التي تتعلق بهذه الشريعة ومن أجلها مقاصد الشريعة أي أهدافها وغاياتها حكمها وأسرارها التي أودعها الله - سبحانه وتعالى- شرائعها الكلية وفي أحكامها التفصيلية ؛ لتؤدي إلى تحقيق المقاصد وإقامة العدل وتثمير وإنتاج الخير في هذه الحياة وادخار المثوبة والأجر والرضا والنعيم في يوم القيامة بإذن الله ويذكر أهل العلم أن هذه الشريعة الغراء عُنين عناية عظيمة بالمقاصد والحكم في كل أحوالها ، وليس ذلك من عند أهل العلم من ذوات أنفسهم ، وإنما من ما تقرر في القرآن والسنة ألسنا نرى على سبيل المثال بعض ما تدل عليه هذه الآيات: { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } .. { يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا } .. وقول الحق جل وعلا { ما يريد الله ليجعل عليكم في الدين من حرج } .
وحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: ( إن هذا الدين يسر فأوغل فيه برفق ) .
أليست هذه في مجموعها تدلنا على أن الشريعة تقر اليسر وترفع الحرج ؟ من مثل هذا قرر العلماء وأظهروا المقاصد الكلية العظيمة العامة في هذه الشريعة ، والتي تحفظ الضرورات الخمس التي ذكر بعض أهل العلم أنها مما تواطأت عليه الشرائع والديانات السماوية:
1ـ حفظ الدين .
2ـ حفظ النفس .
3ـ حفظ العقل .
4ـ حفظ النسل .
5ـ حفظ المال .
مقومات لا تقوم الحياة إلا بها ولا تنضبط أمور المجتمعات إلا بحفظها ولا يمكن ذلك إلا بما أحكم الله عز وجل من شرعه العظيم وما قرره رسوله صلى الله عليه وسلم من هديه الكريم .
حفظ الدين الذي هو أعظم الأمور وأجل المقاصد ، وقد سبقت لنا أحاديث مفصلة في ذلك ؛ فإن هذا الأمر مما ينبغي أن ننتبه له وأن نرى كيف جعلته الشريعة في مقدمة الأمور وفي أسها ؛ فإن هذه الشريعة الغراء قد جعلت حفظ الدين من وجوه شتى:
أولها: العمل به
فإن دين الله - عز وجل - لا نعرفه لنحفظه فقط ولا نتعرف على نصوصه وأدلته لنعلم ما فيها من الأسرار أو الأحكام ، وإنما لنمتثل ذلك كما امتثله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استجابة لأمر الله: { يا أيها الذين أمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم } .
ونعرف القصة التي يرويها أنس في الصحيح عندما نزلت آيات تحريم الخمر: