فهرس الكتاب

الصفحة 8420 من 9994

لقد علّمهم النبي عليه الصلاة والسلام أن الصبر من الدين بمنزلة الرأس من الجسد، وعلمهم أنه بالصبر يظهر الفرق بين أصحاب العزائم والهمم وأهل الجبن والضعف، وعلمهم أن العبادة لا تؤدي كما أمر الله إلا بالصبر، وأن المعاصي لا تجتنب إلا بالصبر، وأن على المؤمن أن يصبر على ما قدره الله وقضاه فلا يتسخط ولا يضجر عند نزول البلاء، وتلا عليهم قول الله تعالى: (( وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ ) ) (النحل:126) .

وقوله سبحانه: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) ) (آل عمران:200) .

أي اصبروا على الطاعة ولازموها واصبروا عن الشهوات وامتنعوا عنها ورابطوا إما في الثغور في مواجهة العدو أو انتظار الصلاة في المساجد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( ألا أخبركم بما يمحوا الله به الخطايا ويرفع به الدرجات إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط فذلكم الرباط ) ).

وبالصبر يتحقق النصر بإذن الله، فهاهم أهل بدر عندما وقفوا في وجه أعداء الله خاطبهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (( ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين ) ).

لقد رأى أهل بدر أن عدوهم يبلغ ثلاثة أضعاف عددهم وتتوفر معه مؤونة وسلاح وأنه جاء مستعدا متهيئا للقتال، بينما هم على العكس من ذلك، لقد كان الموقف حرجا جدا، فقريش في عز قوتها، والمسلمون في ضعف مادي شديد، ولذلك كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة بدر: (( اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض ) ).

فلو انهزم المسلمون في بدر لما قامت للإسلام قائمة، ولذلك بشر النبي صلى الله عليه وسلم أهل بدر بنزول ثلاثة آلاف من الملائكة، وأنهم إن صبروا على شدة الحرب وثبتوا في المعركة فإن الله تعالى يمدهم بخمسة آلاف من الملائكة ، قال تعالى: (( بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ ) ) (آل عمران:125) .

روى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر: (( هذا جبريل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب ) ).

وقال في رواية أخرى: (( جاء جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما تعدون أهل بدر فيكم، قال: من أفضل المسلمين أو كلمة بدرا من الملائكة ) ).

والنبي صلى الله عليه وسلم قاد المسلمين في غزوة بدر وشارك في القتال، عن علي قال: (لقد رأيتنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أقربنا من العدو وكان من أشد الناس يومئذ بأسا) فكان يجاهد بالدعاء والتضرع إلى الله تعالى ويقاتل ببدنه جمعا بين المقامين الشريفين.

وحقق الله تعالى لعباده المؤمنين الصابرين النصر على عدوهم رغم قلة عددهم وعددهم قال تعالى: (( وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ) ) (آل عمران:123) .

بسبب قلتهم ولكن الله تعالى نصرهم لصبرهم وثباتهم والله تعالى ينصر المؤمنين الصابرين الصادقين.

عباد الله: بين الله تعالى في كتابه الحكيم أن الجهاد في سبيله هو التجارة التي تنجي من عذاب أليم، قال العلماء نزل قوله سبحانه: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ) ) (الصف:10) .

في عثمان بن مظعون وذلك أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو أذنت لي فطلقت خولة وترهبت واختصيت وحرمت اللحم ولا أنام بليل أبدا ولا أفطر بنهار أبدا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن من سنتي النكاح ولا رهبانية في الإسلام إنما رهبانية أمتي الجهاد في سبيل الله وخصاء أمتي الصوم ولا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ومن سنتي أنام وأقوم وأفطر وأصوم فمن رغب عن سنتي فليس مني ) ).

فقال عثمان فمن والله لوددت يا نبي الله أي التجارات أحب إلى الله فأتجر فيها فنزلت الآية.

فبالجهاد في سبيل الله ينجو المؤمن من عذاب الله وبالجهاد في سبيل الله انتصر المسلمون على أعداء الله وعندما ترك المسلمون الجهاد ضاعت الأندلس وغيرها من بلاد الإسلام، وهاهي اليوم فلسطين تضيع بسبب ترك الجهاد في سبيل الله والمسجد الأقصى وفلسطين لن يعودا إلى المسلمين إلا بالجهاد في سبيل الله ، وغزوة بدر ستبقى درسا للمسلمين يتعلمون منها أن الله تعالى يؤيد المؤمنين الصابرين، ويمدهم بمدده الذي لا ينفد، فهو سبحانه وتعالى القائل: (( وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ) ) (الروم:47) .

إنَّ الحمدَ لِله نحمدهُ ونستعينهُ, ونستغفرهُ , ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا , ومن سيِّئاتِ أعمالِنا , منْ يُهدهِ اللهُ فلا مُضلَ لهُ, ومنْ يضلل فلا هاديَ له .

وأشهدُ أنَّ لا إله إلا الله وحدهُ لا شريكَ له وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسوله . (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) ) (آل عمران:102) . (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ) ) (النساء:1) . (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ) ) (الأحزاب:70-71) .

أما بعد: فإن أصدقَ الحديثِ كتابُ الله , وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ r وشرَّ الأمورِ مُحدثاتُها , وكلَّ محدثةٍ بدعة , وكلَّ بدعةٍ ضلالة , وكلَّ ضلالةٍ في النار .

أما بعدُ أيها المسلمون:

فقد ابتليت الأمةُ الإسلاميةُ في عصورها المتأخرة ، بجملةٍ من الابتلاءات وسلسلةٍ من التحدياتِ التي تستهدف النيلَ من عقيدةِ الأمة وأخلاقها, وقيمها ومبادئها, وكان من ضمنِ ما ابتليت به طائفةُ من أبنائها, تدنست فطرهم, وجنت عقولهم, وماتت ضمائرُهم , تلك الطائفةُ البيغظةُ, متخبطة في عقائدها متضاربة في ولاءاتها, حائرةُ في توجهاتها, إنهم طُغامٌ من البشر, يُكثرون الدندنةَ حول مصطلح الثقافة, ويسمون أنفسهم بالمثقفين, ويطيلون الجدل والفلسفةَ, عبر المقروء والمرئي والمسموع ، من الوسائل الحديثة لسوق الناس إلى متاهاتٍ من العقائدِ والأفكارِ, وسراديب مظلمةٍ منتنة, من الأخلاق والسلوك, وتلمسُ روحُ التعالي, ومنطقُ الاستعلاء ظاهرين بوضوحٍ في كل ما يتناوله أولئك البائسون , وأن المرء يتسأَلُ أي ثقافة تلك التي يفاخرون بها؟ ويشمخون بأنوفهم من أجلها ؟ وعلى أي شيء تثقفوا ؟ ومن هم أساتذتهم المثقفون لهم ؟ ولا يمضون وقت طويل ، إلا وتتكشف لك حقائق الأمور, ويفتضح أولئك الدجاجلة, لتجد ثقافتهم لا تعدو كونها ثقافة وافدة, شرقية إلحادية تارة, وغريبة انحلالية تارة أخرى, فليتهم تثقفوا بما عند أسيادهم من علوم, وثقافات مفيدة كعلومهم في الطب والهندسة, والزراعة والتصنع لكن يا لخيبتهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت