فهرس الكتاب

الصفحة 4463 من 9994

#حر الصيف من فيح جهنم

الحمد لله الذي خلق الحياة الدنيا، وجعل فيها عبراً وذكرى لقوم يعقلون، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه.. أما بعد:

فقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:"اشتكت النار إلى ربها فقالت: يا رب أكل بعضي بعضاً فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف، فهو أشد ما تجدون من الحر، وأشد ما تجدون من الزمهرير".1

لا شك أن الله -تعالى- خلق لعباده دارين يجزيهم فيها بأعمالهم مع البقاء في الدارين من غير موت، وخلق داراً معجلة للأعمال، وجعل فيها موتاً وحياة وابتلى عباده فيها بما أمرهم به ونهاهم عنه وكلفهم فيها الإيمان بالغيب ومنه: الإيمان بالجزاء والدارين المخلوقتين له، وأنزل بذلك الكتب، وأرسل به الرسل، وأقام الأدلة الواضحة على الغيب الذي أمر بالإيمان به، وأقام علامات وأمارات، تدل على وجود داري الجزاء، فإن إحدى الدارين المخلوقتين للجزاء دار نعيم محض لا يشوبه ألم. والأخرى دار عذاب محض لا يشوبه راحة.

وهذه الدار الفانية ممزوجة بالنعيم والألم، فما فيها من النعيم يذكر بنعيم الجنة، وما فيها من الألم يذكر بألم النار، وجعل الله -تعالى- في هذه الدار أشياء كثيرة تذكر بدار الغيب المؤجلة الباقية، فمنها ما يذكر بالجنة من زمان ومكان..

أما الأماكن فخلق الله بعض البلدان وفيها من المطاعم والمشارب والملابس، والمناظر الرائعة، والأجواء النقية، والوديان الخضراء الشاسعة، وغير ذلك من نعيم الدنيا ما يذكر بنعيم الجنة.

وأما الأزمان: فكزمن الربيع فإنه يذكر طيبه بنعيم الجنة وطيبها، وكأوقات الأسحار، فإن بردها يذكر ببرد الجنة..

ومنها ما يذكر بالنار فإن الله -تعالى- جعل في الدنيا أشياء كثيرة تذكر بالنار المعدة لمن عصاه وما فيها من الآلام والعقوبات من أماكن وأزمان وأجسام وغير ذلك.. أما الأماكن فكثير من البلدان مفرطة الحر أو البرد، فبردها يذكر بزمهرير جهنم، وحرها يذكر بحر جهنم وسمومها، وبعض البقاع يذكر بالنار كالحمَّام، قال أبو هريرة:"نعم البيتُ الحمام، يدخله المؤمن فيزيل به الدرن، ويستعيذ بالله فيه من النار".

كان السلف يذكرون النار بدخول الحمام فيحدث لهم ذلك عبادة.. دخل ابن وهب الحمام فسمع تالياً يتلو: {وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ} غافر:47. فغشي عليه!.

وتزوج صلة بن أشيم فدخل الحمَّام، ثم دخل على زوجته تلك الليلة، فقام يصلي حتى أصبح وقال: دخلت بالأمس بيتا أذكرني النار، ودخلت الليلة بيتاً ذكرت به الجنة، فلم يزل فكري فيهما حتى أصبحت.

وكان بعض السلف إذا أصابه كرب الحمَّام يقول: يا برُّ يا رحيم مُنَّ علينا، وقنا عذاب السموم.

وصب بعض الصالحين على رأسه ماءً من الحمام فوجده شديد الحر فبكى وقال: ذكرت قوله -تعالى-: {يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ} الحج:19.

وأما الأزمان فشدة الحر والبرد يذكر بما في جهنم من الحر والزمهرير، وقد دل هذا الحديث الصحيح على: أن ذلك من تنفس النار في ذلك الوقت، قال الحسن: كل برد أهلك شيئاً فهو من نفس جهنم، وكل حر أهلك شيئاً فهو من نفس جهنم، وفي الحديث الصحيح أيضاً عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:"إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم".2

أبواب النار مغلقة وتفتح أحياناً.. فتفتح أبوابها كلها عند الظهيرة، ولذلك يشتد الحر حينئذ، فيكون في ذلك تذكرة بنار جهنم، وأما الأجسام المشاهدة في الدنيا المذكرة بالنار فكثيرة.. منها: الشمس عند اشتداد حرها، وقد روي أنها خلقت من النار وتعود إليها.

كان بعضهم إذا رجع من الجمعة في حر الظهيرة يذكر انصراف الناس من موقف الحساب إلى الجنة أو النار، فإن الساعة تقوم في يوم الجمعة، ولا ينتصف ذلك النهار حتى يقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، قاله ابن مسعود، وتلا قوله: {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً} الفرقان:24.

و ينبغي لمن كان في حر الشمس أن يتذكر حرها في الموقف، فإن الشمس تدنو من رؤوس العباد يوم القيامة، ويزاد في حرها.. وينبغي لمن لا يصبر على حر الشمس في الدنيا أن يجتنب من الأعمال ما يستوجب صاحبه به دخول النار، فإنه لا قوة لأحد عليها ولا صبر، قال قتادة: -وقد ذكر شراب أهل جهنم، وهو ماء يسيل من صديدهم من الجلد واللحم- فقال: هل لكم بهذا يدان! أم لكم عليه صبر! طاعة الله أهون عليكم! يا قوم فأطيعوا الله رسوله.

نسيتَ لظى عند ارتكانك للهوى ... وأنت تَوقَّى حرَّ شمس الهواجر

كأنك لم تَدفِن حميماً ولم تكن ... له في سياق الموت يوماً بحاضر!

رأى عمر بن عبد العزيز قوماً في جنازة قد هربوا من الشمس إلى الظل وتوقَّوا الغبار، فبكى! ثم أنشد:

من كان حين تصيب الشمس جبهته ... أو الغبار يخاف الشَّين والشعثا

ويألف الظل كي يُبقي بشاشته ... فسوف يسكن يوماً راغماً جدثا

في ظل مقفرة غبراء مظلمة ... يطيل تحت الثرى في غمها اللبثا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت