فهرس الكتاب

الصفحة 2689 من 9994

# الخصلتان الحبيبتان ... ... ...

سليمان حمدالعودة ... ... ...

ملخص الخطبة ... ... ...

1-خصلتان يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة 2- الحلم صفة الأنبياء 4- صفة الرفق والأناة 5- تبلد الأحاسيس ليس من الحلم والأناة ... ... ...

الخطبة الأولى ... ... ...

أما بعد فاتقوا الله أيها المسلمون، وراقبوه واعملوا بطاعته واجتنبوا معاصيه، وتخلقوا بالأخلاق الفاضلة، وجاهدوا أنفسكم على الاتصاف بالصفات الحميدة فإنها سبيل إلى التقوى وطريق موصل إلى السعادة في الدنيا والآخرة.

إخوة الإسلام: وتضطرب على الدوام أمور الحياة، وتكثر في هذه الدار المنغصات والمكدرات، ويصور الشاعر طرفا من هذه المعاناة حين يقول لبيد بن ربيعة العامري:

بلينا وما تبلى النجوم الطوالع وتبقى الديار بعدنا والمصانع

فلا جزع إن فرق الدهر بيننا فكل امرئ يوما له الدهر فاجع

وما الناس إلا كالديار وأهلها بها يوم حلوها وتغدو بلاقع

ويمضون ارسالا وتخلف بعدهم كما ضم إحدى الراحتين الأصابع

وما المرء إلا كالشهاب وضوئه يحور رمادا بعد إذ هو ساطع

وما المرء إلا مضمرات من التقى وما المال إلا عاريات ودائع

أليس ورائى إن تراخت منيتي لزوم العصا تحني عليها الأصابع

.. القصيدة (1)

وأبلغ من ذلك قوله تعالى: لقد خلقنا الإنسان في كبد [البلد: 4 ] . وقوله جل ذكره: وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور [آل عمران: 185] .

وأمام هذه الحقيقة الماثلة يحتاج المسلم - بل العامل - إلى نوع من التعامل يجنيه مزالق الطريق، ويجاوزه العقبات، وإلى نمط من الأخلاق يخفف عنه الصدمات ويسري عنه حين الشدائد والأزمات، ويرشد الإسلام - فيما يرشد - إلى الخروج من المأزق بالتزام الهدوء وعدم العجلة والطيش في التصرفات، ويهدي النبي صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس (( إن فيك خصلتين يحبهما الله الحلم والأناة(4 ) )).

وما أعز هاتين الخصلتين في الناس، وما أشد الحاجة إليها، أما الحلم فهو العقل، وأما الأناة فهى التثبت وترك العجلة (5) .

والحلم أفضل من كظم الغيظ، لأن كظم الغيظ عبارة عن التحلم أى تكلف الحلم، ولا يحتاج إلى كظم الغيظ أي من هاج غيظه، ويحتاج فيه إلى مجاهدة شديدة، ولكن إذا تعود ذلك مدة صار ذلك اعتيادا، فلا يهيج الغيظ، وإن هاج فلن يكون في كظمه تعب، وهو الحلم الطبيعى.

وكذلك تدرب النفس على الحلم بالتحلم، كما حكاه الغزالي يرحمه الله (6) .

معاشر المسلمين: ويكفى الحلم عزة ورفعة وعلو شأن أنه من أسماء الله وصفاته.

قال تعالى: واعلموا أن الله غفور حليم [ البقرة: 235 ] .

ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم [ آل عمران: 155 ] .

وصية من الله والله عليم حليم . [النساء: 12] .

والحلم حلية أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام، والخليل عليه السلام يصفه ربه بالحلم ويقول: إن إبراهيم لأواه حليم [التوبة:114] . إن إبراهيم لحليم أواه منيب [هود:75] .

ويبشره ربه كذلك بابن حليم، ويكون الحلم من صفات إسماعيل عليه السلام. قال تعالى: فبشرناه بغلام حليم [الصافات:101] .

ويوصف شعيب عليه السلام بالحلم والرشد من قومه، وإن كان على سبيل التهكم والاستهزاء منهم، قال تعالى: إنك لأنت الحليم الرشيد [هود:87] .

لكنه كذلك وإن رغمت أنوف الملأ ويكفيه حلما وعلما أن يقول لهم: وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب [هود:88] .

أما صفوة الخلق وخيرة المرسلين، فيزكيه ربه بكمال الأخلاق ويقول: وإنك لعلى خلق عظيم [القلم:4] .

ويجمع الله به القلوب بعد فرقتها، ويجمع به شمل النفوس بعد شرودها وضياعها، ويقول له ربه: فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لا نفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر [آل عمران:159] .

أيها المسلمون: ويوصي الله بالحلم والرفق ومجاهدة النفس عليهما وبين آثارهما، ويقول تعالى: ولا تستوى الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذى بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم [فصلت:24-25] .

قال ابن كثير رحمه الله: أى وما يقبل هذه الوصية ويعمل بها إلا من صبر على ذلك، فإنه يشق على النفوس .. ويقول جل ذكره: ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور [الشورى:43] .

ويعلق الإمام الطبري على الآية بقوله: ولمن صبر على إساءة من أساء إليه، وغفر للمسيء إليه جرمه، فلم ينتصر منه، وهو على الانتصار منه قادر ابتغاء وجه الله عز وجل وثوابه، إن ذلك لمن عزم الأمور، ندب الله إليها عباده، وعزم عليهم العمل به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت