للأسفِ الشديد، فإنَّ شيئاً من ذلك لم يحدث، إلاَّ في أضيقِ نطاقٍ ، وحيثُ لا يشفي عليلاً ولا يروي غليلاً ، والله المستعان ..
بل نحنُ واللهِ عاجزون عن وصفِ الحالةِ المخجلةِ التي آلَ إليها الإعلامُ، في معظمِ ديارِ المسلمين، ويكفي لمن أرادَ معرفةَ الحقيقةِ أن يُطالعَ قناةً تلفزيونية، أو فضائيةً لساعةٍ أو بعضِ ساعة، لتجيبهُ الأفلامُ الخليعات، والمسلسلاتُ الماجنات، والبرامجُ الهابطات ، والأغاني الساقطات ، والله المستعان .
ويكفي مطالعةُ صحيفةٍ أو مجلةٍ، لترى أخي المسلمُ كم تُهدرُ الطاقات، وتُضيعُ الجهود، وتسودُ مئاتُ الأوراقِ كلَّ يومٍ في غيرِ مصالحِ المسلمين ، وغيرَ احتياجاتِ الأمةِ الحقيقية ، بل كم تَهدمُ تلك الأوراقُ الصفراءَ من فضيلة، وكم تُرَوجُ من رذيلةٍ، وكم تُبطلُ من حقٍّ، وكم تُحقُّ من باطل ، ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله ..
ألا فاتقوا الله عبادَ الله، وراقبوهُ واعلموا أنَّكم مسئولون عن أنفسكم، ومن تحتَ أيديكم من نساءٍ وذريَّة، فاحذروا كلَّ وسيلةٍ هدَّامة ، وصُونوا بيُوتكم من أسبابِ الفسقِ والرذيلة ، والخسَّةِ والعار، (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) ) (سورة التحريم:6) .
اللهمَّ إنَّا نسألُك إيماناً يُباشرُ قلوبنا، ويقيناً صادقاً، وتوبةً قبلَ الموتِ، وراحةً بعد الموتِ، ونسألُكَ لذةَ النظرِ إلى وجهكَ الكريمِ, والشوق إلى لقائِكَ في غيِر ضراءَ مُضرة، ولا فتنةً مضلة،
اللهمَّ زينا بزينةِ الإيمانِ، واجعلنا هُداةً مهتدين,لا ضاليَن ولا مُضلين, بالمعروف آمرين, وعن المنكر ناهين، يا ربَّ العالمين, ألا وصلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه، إمام المتقين، وقائد الغرِّ المحجلين وعلى ألهِ وصحابته أجمعين .
وأرضى اللهمَّ عن الخلفاءِ الراشدين أبي بكرٍ وعمر وعثمان وعلي
اللهمَّ آمنا في الأوطانِ والدُور، وأصلحِ الأئمةَ وولاةِ الأمورِ, يا عزيزُ يا غفور, سبحان ربك رب العزة عما يصفون
الحمد لله (( ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ) )وأشهدُ أن لا إله إلاَّ الله وحدهُ لا شريك له، وعد الشاكرين بالمزيد ، وتوعد الكافرين بالعذابِ الشديد ، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسوله ، أنزل اللهُ إليه الكتاب ليخرج الناس من الظلماتِ إلى النور بإذن ربهم إلى صراطِ العزيز الحميد ، صلواتُ الله وسلامه عليه، وعلى آلهِ وأصحابه ، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الوعيد .
أمَّا بعد: فيا أيُّها المسلمون، اتقوا الله تعالى، واعلموا أنَّ اللهَ مع المتقين .
معشر المسلمين:
لقد اقتضت حكمةُ الله تعالى أن يكون هُناك صراعٌ بين الحق والباطل ، فأهلُ الحقِّ هم الصادقون في إيمانهم وأعمالهم ، بينما أهلُ الباطل من الكفار والمنافقين ؛ هم الكاذبون والمعرضون عن دينِ الله .
وهذا الصراعُ لا يزالُ مستمرًا حتى يرثَ الله الأرضَ ومن عليها، (( وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ) ) (آل عمران:141) .
أيَّها المسلمون:
أهلَ الباطلِ لا يكفيهم البقاءُ على باطلهم، وإنَّما يسعون لإضعافِ الحقِّ والصدِّ عنهُ ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً ، قال تعالى: (( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ) ) (لأنفال:36) .
وقال سبحانه: (( وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ) ) (البقرة: من الآية217) .
وقتالُ الكفرةِ للمؤمنين قتالٌ لنصرةِ باطلهم، فهو في سبيلِ الطاغوت ، قال تعالى: (( الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً ) ) (النساء:76) .
أيُّها المسلمون:
ولقد قضى اللهُ تعالى أنَّ الغلبةَ للحقِ وأهله ولو بعد حين ، وأنَّ الاندحارَ والمحقَ للباطلِ وحزبِه ولو كثرَ وعلا ، قال تعالى: (( بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ ) ) (الأنبياء:18) .
لأنَّ المبطلين يعملون بالفساد ، واللهُ لا يصلحُ عمل المفسدين .
إنَّ وعدَ الله - أيُّها المسلمون - في نصرِ المؤمنين لا يتخلف ، قال تعالى: (( وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا * سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ) ) (سورة الفتح: 23,22) .
قال ابن كثيرٍ- رحمه الله-: (( أي هذه سنةُ الله تعالى وعادتهُ في خلقه ، ما تقابلَ الكفرُ والإيمان في موطنِ فيصلٍ إلاَّ نصرُ الله الإيمان على الكفر ، فرفعَ الحقَ ووضع الباطلَ ، كما فعل الله يوم بدر ) )تفسير القرآن العظيم 4 / 192 وقال تعالى: (( وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ) ) (سورة الصافات:173,172,171) .
أيُّها المسلمون:
وقد يسبقُ نصرُ المؤمنين أذىً من العدو وغلبةٌ له ، وللهِ الحكمة فيما يصيبُ المؤمنين من ذلك ، قال تعالى: (( إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ) ) (سورة آل عمران: 141,140) .
فاللهُ تعالى يبينُ أنَّ المؤمنين الذين يُصيبهم قرحٌ- أي جراحات ومصائب- بسببِ القتال، يجبُ ألاَّ يُضْعِفَ ذلك همَّتَهم واجتهادَهم في جهادِ العدو ، لأنَّهم كما أصابهم قرحٌ فقد أصابَ عدوهَم مثلَه ، وعدوهم لم يَفْتُروا لما أصابهم من القرحِ من محاربتكم مع كونهم مبطلين ، فأنتم أيُّها المؤمنون أهلُ الحقِّ أولى ألا تَضْعُفوا ولا تَفْتُروا عن مجاهدةِ ومحاربةِ هؤلاءِ الأعداءِ المبطلين الظالمين .
وقال تعالى: (( وَلاَ تَهِنُواْ فِي ابْتِغَاء الْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ) ) (سورة النساء: 104) .
فالمؤمنونَ أولى في الجدِّ والصبرِ والمصابرةِ في قتالِ الأعداءِ حتى يصبحوا عليهم ظاهرين ، وما ذلك على اللهِ بعزيز . نسألُ الله تعالى أن يعزَّ دينهُ وأولياءَه المؤمنين، وأن يُذلَ الكفرَ وأحزابَ الباطلِ أجمعين .
الخطبة الثانية
الحمدُ لله (( بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) ) (سورة الروم: 5) نحمدهُ سُبحانه (( إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ) ) (سورة يوسف:100) .