فهرس الكتاب

الصفحة 3925 من 9994

#الواجب الأول

د. علي بن عمر بادحدح

الخطبة الأولى

أما بعد أيها الأخوة المؤمنون:

قد يكون غريباً أن أتحدث عن الواجب الأول الذي يجب على كل مسلم ؛ لأن ذلك عندنا من البديهيات ، وربما كان عند كثير منا من المحفوظات .. غير أن التدبر والتأمل في الأحوال القلبية ، والهمم النفسية والممارسات العملية تدلنا على أن حاجتنا ملحة على أن نعيد الحديث ونكرره ونبطئ القول فيه ونعيد لأن واقع الأمر يكشف عن ضعف التعلق بالله ،وشدة أو غلبة أو كثرة التعلق بغيره جل في علاه ، وتكشف عن مشاعر نفسية تذهب يمنة ويسرة ، وتمضي محبة وبغضة في غير ما أراد الله جل في علاه .

وكذلكم نرى في واقع الأمر معاصٍ ترتكب ، ومحرمات تنتهك ، وأقوال من الباطل تذاع ، وأحوال من الفساد تشاع .. فأين هو إذن ذلك الواجب الأعظم ؟ أين محله من القلوب ؟ وأين موضعه من النفوس ؟ وأين أثره في الأقوال والأفعال والأحوال ؟

إن معرفة لا تنشئ عملاً ليست معرفة حقيقية ولا كافية ، وإن علماً لا يثمر سلوكاً يعد حجة على صاحبه وتسفيه لعلمه .. إن حياتنا في واقعها تحتاج إلى أن نعود إلى الصفوف الأولى الابتدائية يوم يكون في المقرر الذي يدرسه أبنائنا ونحفظه لهم اليوم: الواجب الأول معرفة الله سبحانه وتعالى ، هذه المسألة البديهية المحفوظة التي تحتاج إلى كثير وكثير من المراجعة القلبية النفسية السلوكية الواقعية .

إن معرفة الله سبحانه وتعالى أول الواجبات ، وأعظم الواجبات وأكثرها توضيحاً وإدراكاً لمسار الحياة ، وأكثرها كذلك تأثيراً في واقع السلوك الإنساني ، معرفة الله عز وجل لا يحيط بها أحد على وجه معرفة الكنه والذات ، فهو جل وعلا ليس كمثله شيء وهو البصير الخبير ، فعلمه على سبيل المثال لا يحيط به أحد من خلقه وقدرته جل وعلا لا يحدها وصف ، ولا يقيدها قدر بحال من الأحوال .. غير أن المعرفة التي نريد معرفة أسماء الله وصفاته وأفعاله المعرفة التي دل عليها حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: ( تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في ذات الله فتهلكوا ) .

وقد روي من طرق كثيرة في مجموعها حسن أهل العلم هذا الحديث ، المتدبر يدرك تماماً أن المعرفة التي نريد هي معرفة التأثير والتبليغ هي المعرفة المستولية على القلوب الساكنة في النفوس التي تعيش مع الإنسان في نبض قلبه ، وجريان دمائه في عروقه ، ونور بصره في عينيه .. إنها معرفة تغمر حياته كلها وتغيرها بصبغة الإيمان والمعرفة الإلهية صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون .

{ إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد }

إن المعرفة للمتدبرين للمتأملين للمتفكرين وهي بعد ذلك للمتعظين المعتبرين المذكرين وهي بعد ذلك للعاملين السابقين المتنافسين { وفي ذلك فليتنافس المتنافسون } .. هذه المعاني المهمة التي ينبغي التذكير بها .

قال ابن رجب رحمه الله:"في هذه المعرفة معرفة الله وما يستحقه من الأسماء الحسنى ، والصفات العلى ، والأفعال الباهرة .. وذلك يستلزم إجلاله وإعظامه وخشيته ومهابته ومحبته ورجائه والتوكل عليه والرضى بقضائه والصبر على بلائه".

أين نحن من هذا المعرفة ؟

الرضى في كثير من الأحوال يسبقه السخط والاعتراض على القضاء والقدر .. فأين نحن من هذه المعرفة ؟ ويكاد أمر المراقبة والخشية أن يخفى من النفوس ، وأن يزول من القلوب ، أين نحن من هذا الواجب الأول والتذكر والاتعاظ والاعتبار كاد أن يذهب ماؤه ، وأن ينعدم روائه من نفوسنا وقلوبنا إلا من رحم الله .

يقول ابن القيم رحمه الله تفريقاً للمعرفة التي قد نظن أنا ملكناها والمعرفة المفترض على أن نسعى إليها ونحرص عليها:"المعرفة نوعان: معرفة إقرار ؛ وهي التي يشترك فيها البر والفاجر والمطيع والعاصي ، سل العاصي ؛ فإنه أذرب الناس لساناً فيما يعرفون من آيات صفات الله وأسمائه الحسنى .. فأين هو أثرها في القلوب ، والمعرفة الثانية قال معرفة توجب الحياء منه والمحبة له وتعلق القلب به والشوق إلى لقائه وخشيته والإنابة إليه والأنس به والفرار من الخلق إليه".

أفلسنا بحاجة إلى هذه المعرفة ، عظمة الله سبحانه وتعالى !

{ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي الْنَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت