فهرس الكتاب

الصفحة 8390 من 9994

بادر بالتوبة والرجوع إلى الله فإن في ذلك النجاة والخلاص، وتأمل سيرة سلفك الصالح، وانظر إلى أي مدى وصلت بهم الخشية من الله، فكن مقتدياً بهم، واسلك طريقهم، فإن في ذلك الخير كله.. وإياك أن تستهين بالذنب مهما كان صغيراً، ولا تنظر إلى صغر المعصية، ولكن انظر إلى عظم من عصيت، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:"إياكم ومحقّرات الذنوب فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه" [7] .

فلا تقل هذه صغيرة وهذا ذنب هين فإنك لا تدري لعل هذا العمل الذي تستصغره يكون سبباً في هلاكك، لذلك كان السلف على كثرة أعمالهم وتقواهم كانوا يخشون الله جل وعلا حق خشيته ويخافون منه خوف الذنب وكأنهم أكثر الناس ذنوباً وذلك لرقة قلوبهم وقربهم من الله.

كان الإمام الحسن البصري يبكي في الليل حتى يبكي جيرانه فيأتي أحدهم إليه في الغداة ويقول: لقد أبكيت أهلنا، فيقول له: إني قلت يا حسن لعل الله نظر إليك على بعض هناتك، فقال: اعمل ما شئت لست أقبل منك شيئاً [8] .

وكان ذات يوم صائماً فأتى له بكوب من ماء ليفطر عليه فلمّا أدناه من فيه بكى، فقيل له مالك؟ فقال: تذكرت أمنية أهل النار وقولهم لأهل الجنة: {أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله} وتذكرت ما أجيبوا به: {إن الله حرمهما على الكافرين} .

وقام منصور بن زاذان ذات يوم فتوضأ فلما فرغ دمعت عيناه ثم جعل يبكي حتى انقطع صوته فقيل له: رحمك الله ما شأنك؟ قال: وأي شأن أعظم من شأني؟ إني أريد أن أقوم بين يدي من لا تأخذه سنة ولا نوم فلعله يعرض عنيّ [9] .

أخيّ:

انظر إلى أحوال كثير من الشباب الذين تاهوا وضاعوا وانحرفوا عن الصراط المستقيم، ماذا جنوا من طول الطريق واقتراف المعاصي؟!

هل كانت المعاصي سبباً في سعادتهم؟..أم كانت سبباً في شقائهم وضيق صدورهم؟

فإلى متى هذه الحيرة؟!

دع الحيرة وأقبل على الله، وأجب داعي الله سبحانه وتعالى وإياك والتسويف بالتوبة، فإنك لا تدري متى ساعة الرحيل، واعلم أن غاية السعادة وانشراح الصدور إنما هو في طاعة الله واتباع أوامره والإنابة إليه سبحانه.

{فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصّعّد في السماء} .

هذا ونسأل الله تعالى أن يهدينا سواء السبيل وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الهوامش:

(1) رواه البخاري (3175) ، ومسلم (2638) .

(2) "الجواب الكافي"لابن القيم (ص 146) .

(3) مسلم (2807) .

(4) مسلم (181) .

(5) البخاري (3091) ، مسلم (2843) .

(6) الزهد لابن المبارك (303) .

(7) رواه أحمد، وهو في"صحيح الجامع الصغير" (2687) .

(8) الزهد لأحمد (280) .

(9) صفة الصفوة (3/12) .

وقفة.. قبل ضياع العمر .. الشيخ سالم العجمي

[ أسباب العنوسة.. ]

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد:

فمن أين نبدأ؟.. ونحن نريد أن نتكلم عن موضوع شائك بات واضحاً جلي، وباتت آثاره ظاهرة على الساحة، وزادت معاناة الكثير بسبب هذا الداء العضال.

والموضوع قبل كل شيء يحتاج إلى قلب واع، وأذن صاغية، وفكر ناضج، يدرك حجم هذه القضية التي نحن بصدد الحديث عنها، ويتفكر في أسبابها، ويستخلص من هذه الأسباب حلولاً مناسبة، ليصل إلى المرفأ الآمن قبل ضياع العمر.

ولذلك فإنّا نريد أن نتكلم عن تلك الأشجار التي انحت، وهاجمتها رياح الخريف فتساقطت أوراقها ويبست أغصانه، وعن تلك الأزهار المتفتحة التي ذبلت وتساقطت، وذهب شذى عطره، وبعضها الآخر الذي شارف على حافات الذبول، فتحتاج إلى من يسقيها الماء من الينابيع الصافية، التي تعيد إليها النضارة بيد حانية مشفقة.

وحتى لايبدو الكلام غريباً، فإننا نتكلم عن أمر ملموس من واقع الحياة، وهو عن شابات مضت حياتهن، وتقدم بهن العمر، ولم يزلن بغير زواج، فأصبحن كالأشجار المنحنية، وكالزهور الذابلة.

وهذه القضية التي نريد الأسهاب فيها هي: (قضية العنوسة) أو (تأخير الزواج إلى سن كبيرة) ، ونحاول الإلمام بأكثر الأسباب شيوعاً، وأكثرها تأثيراً، لعلنا نصل إلى حل لكثير من المشاكل المعروضة وأسبابها الرئيسة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:"من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه" [1] .

فلهذا أردت كتابة هذه الرسالة، نصحاً وإرشاداً، وتنبيهاً للغافلين، وتحذيراً من مغبة الأمر الذي تؤول إليه هذه المشكلة المستعصية، التي أخذ الكثيرون يساهمون في انتشارها، من حيث شعروا أو من حيث لا يشعرون، حتى ممن يظن فيهم أن الحلول عندهم.. ولكن للأسف..

وكنا نستطب إذا مرضنا فصار هلاكنا بيد الطبيب

وقبل أن أشرع وأسترسل في ذكر الأسباب المؤدية إلى تلك الفاجعة، لا يفوتني أن أذكّرِ الأخوات اللاتي يعانين من هذه الآثار بأمر عظيم، ومطلب مهم، خصوصاً في مثل هذا الوضع.. ألا وهو (الصبر) .

ولأن الصبر من أشق الأمور على النفس حين وقوع المصائب، فقد أجزل الله جل وعلا المثوبة لمن تحلى به، حيث قال: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} [2] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس لأحد إلا المؤمن، إن أصابته سرّاء شكر فكان خيراّ له، وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيراً له" [3] .

وأقول لمن ابتليت بهذا ـ أيضاً ـ: إياكِ أن تستطيلي زمان البلاء وتضجري مما حَلَّ بك فالحق:"أن الزمان لا يثبت على حال كما قال الله ـ تعالى ـ: {وتلك الأيام نداولها بين الناس} ، فتارة فقر، وتارة غنى، وتارة عِزّ، وتارة ذُل، فالسعيد من لازم أصلاً واحداً على كل حال، وهو تقوى الله عز وجل، فإنه إن استغنى زانته، وإن افتقر فتحت له أبواب الصبر، وإن عوفي تمت النعمة عليه، وإن ابتلي جملته، ولا يضره إن نزل به الزمان أو صعد، أو أعراه أو أشبعه أو أجاعه، لأن جميع الأشياء تزول وتتغير، والتقوى أصل السلامة: حارس لا ينام، يأخذ باليد عند العثرة، ويوافق عند الحدود" [4] .

فعليكِ إن ابتليت بهذا أن تصبري على البلاء، وتحتسبي مصيبتك عند الله: {إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين} [5] ، فمهما طال ليل البلاء فلا بد أن ينجلي، ولا بدَّ لرياح الخريف أن ترحل، ولا بد لغيوم الحزن أن تنقشع، وتظهر شمس الأمل.

ولرُبَّ نازلة يضيق بها الفتى ذرعاً وعند الله منها المخرج

ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فُرِجَت وكنت أظنها لا تُفرج

وعلى باب الموضوع لا بدّ من كلمة، وهي:

أنه عندما كثرت هذه المشكلة بشكل ملفت للنظر، كان من الواجب التصدي لها، وتذكير الناس بالأمر الفطري الذي هو من قوام الحياة الهانئة، وهو الزواج، الذي فيه الاستقرار والطمأنينة، والحياة الآمنة من المخاوف، كما قال ـ سبحانه وتعالى ـ: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} [6] ، فجعل الله المرأة مأوى للرجل، يأوي إليها بعد العناء والمشقة، وجعل بينهم الألفة والمحبة والرأفة، في ظل حياة شريفة هانئة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة" [7] .

فالزواج تلبية لنداء الفطرة التي جعلها الله في قلوب عباده، وسبباً في الاستقرار العائلي، وترابط وثيق بين الزوج والزوجة ليعين أحدهما الآخر على تيسير سبل الراحة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت