ثانياً: يجب أن نعي نحن المسلمين , أننا أصحاب رسالة , يجب إبلاغها للناس , وأصحاب دينٍ يجب عرضه نقياً بلا شوائب , صافياً من غير كدر , ناصعاً من غير تشويه , نعرضُ هذا الدين بأصالته وشموله , غضا كما أُنزل , نعرضه قرآناً وسنة , وتاريخاً وسيرةً , لا رقصاً ولعباً , وأهازيج وطبولا , حينها لا نشك من إقبال الناس عليه, ودخولهم فيه , واحتفالهم به .
ثالثاً: يجب أن تُربى الأجيال على حب الإسلام , وفدائه بالروح والمال والولد , وأن يوصلَ الناسُ بتاريخهم , وبطولات أجدادهم وأسلافهم , حتى يتشبهوا بهم , ويقتدوا بسيرهم , وأن يعتقد المسلمون جازمين , أنهم متى ما أقاموا دولة الإسلام في قلوبهم , قامت دولة الإسلام فوق أرضهم وأرض خصومهم , تحقيقاً لنبوءة محمد r: « إن الله زوى لي الأرض , فرأيت مشارقها ومغاربها , وإن مُلك أمتي سيبلغ ما زوى لي منها » ( [1] [2] ) , وقوله كذلك: « ولا يترك الله بيتَ وبر ولا مدر إلا أدخله الله الإسلام ، بعز عزيز , أو بذل ذليل عزاً يعز الله به الإسلام , وذلاً يذل الله به الكفر» ( [2] [3] ) .
رابعا: يجب أن نعي نحن المسلمين بإدراكٍ تام, أن البطولات الحقيقة التي يحق لنا أن نفخر بها, ونحي ذكراها في النفوس , ونلوحُ للعالم بها, وأننا قادرون على تسطير أمثالها , هي تلك البطولات التي حققها أسلافنا الأولون في بدرٍ وخيبر , والقادسية, واليرموك , وجلولاء, وحطين , وأما ما عداها من البطولات , أوهامٌ لا معنى لها , وسرابٌ لا حقيقة له , لا تبني مجداً, ولا تسترد عزا , وها أنت ترى دمائنا مهدرة , وأعراضنا مستباحة , ومقداستنا ممتهنة , وعدونا يلوحُ بعصاه الغليظة فوق رؤوسنا , دون أن نجرؤ على تغيير واقعنا الُمر , ومصابنا الجلل , وغايةُ ما نفعله هو التباكي على عتبات هيئة الأمم , ومجلس الأمن المزعوم , والذي ما هو إلا ضحكٌ على الذقون , وسخريةً بالمسلمين , وإن ننسى فلا ننسى يوم سئلت رئيسة الوزارة البريطانية قبل سنوات حين جيشت الجيوش , وحركت الأساطيلَ لحرب الأرجنتين واغتصاب جُزْر الفوكلاند من أهلها الأصليين , مرة أخرى , فقيل لها: ما الذي يمنعك من حل المشكلة بطرق سلمية , عبر مجلس الأمن ؟ فأجابت على الفور: إن مجلس الأمن ما وضع إلا من أجل العرب !! ولقد صدقت وهي كذوب , إلا إن العالم لا يفهم إلا لغة القوة, ولا يحترم إلا الأقوياء .
أجل أيها المؤمنون: كل الدروب مسدودةً سوى درب القوة , ودرب الجهاد , كل الصرخات ليس لها صدى في أودية العالم الجديد, سوى صيحات الجهاد , صيحات التكبير , كل الرايات سرابٌ إلا رايةُ الجهاد , الجهاد هو الحل , وهو السبيل ولا سبيل سواه , شهدت بذلك الآيات الصريحة , والأحاديث الصحيحة , ونطق به التاريخ المجيد , والجهاد درب طويل , العلماءُ المخلصون قياداته , والدعاة الناصحون حداته , والأبطال المقاتلون ثمرته , في قوله تعالى: ] لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [ [الحديد:25] .
اللهم إنا نسألك إيمانا يباشر قلوبنا ,
بسم الله الرحمن الرحيم
إنَّ الحمدَ لِله نحمدهُ ونستعينهُ, ونستغفرهُ, ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا, ومن سيِّئاتِ أعمالِنا, منْ يَهدهِ اللهُ فلا مُضلَ لهُ, ومنْ يُضلل فلا هاديَ له . وأشهدُ أنَّ لا إله إلا الله وحدهُ لا شريكَ له, وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسوله. (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) )]آل عمران:102 [. (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ) )] النساء:1 [. (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ) )] الأحزاب:70-71[ .
أما بعدُ: فإن أصدقَ الحديثِ كتابُ الله, وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ r وشرَّ الأمورِ مُحدثاتُها, وكلَّ محدثةٍ بدعة, وكلَّ بدعةٍ ضلالة, وكلَّ ضلالةٍ في النار
أما بعد ، أيها المسلمون:
فالساحةُ اليومَ تَزخرُ بالعديدِ من الجماعاتِ الإسلاميةِ, العاملةِ في مجالِ الدعوةِ والإصلاح, و التي بذلت ولا تُزالُ تَبذلُ جُهوداً لا يُستهانُ بها في سبيلِ هِدايةِ الناس, و تُحقيقُ استجابتهم إلى ما تطرحهُ من قضايا, و ما تُنادي بهِ من مبادئَ وأهداف, ورُبما اشتركت هذه الجماعاتُ في أهدافها العُليا، و مبادئَها الكبرى, والتي من أبرزِها: ضمانُ عودةِ الجماهيرِ التائهةِ إلى الإسلامِ, وضمانُ عودةِ الإسلامِ إلى الصدارةِ من جديد, فالكلُّ مُتَّفقونَ على هذا الهدفِ, متحمسونَ في تحقيقِ هذهِ الغايةِ, لكن تبقى الوسيلةُ أو المنهج، لتحقيقِ الأهداف, و تنفيذِ تلكَ التطلُعاتِ, تبقى شَدِيدةَ التباينِ عظيمةَ الاختلاف, ورُبما أحسَّ بعضُ المخلصينَ من القائمينَ على تلك الجماعةِ، والمنظرينَ لمناهجها العمليةِ، رُبما أحسوا بضرورةِ توحيدِ الصفوفِ, وتنسيقِ الجهودِ، بما يُحققُ مصلحةَ الدعوةَ, و يضمنُ نجاحها إلى حدٍ كبير, بيدَ أنَّ العقبةَ الكؤود، التي وقفت ولا تزالُ تَقفُ أمامَ تحقيقِ ذلكَ الأملُ المنشودِ و الحلمُ الكبير، هي أنَّ الجميعُ ظلَّ يتشبثُ بطريقتهِ و منهجهِ الحركي, وينسُبُ الصوابَ لنفسهِ فقط, ويُحاولُ فرضهُ, و إرغامَ الآخرينَ على تبنيه, والسيرَ في فلكه, و رُبما ادعى أنَّ منهجهُ هو المنهجُ السلفيِّ بحذافيره, كي يُضفي على منهجهِ مزيداً من الهيبةِ, ويَحظى بمزيدٍ من الاحترام, ويَسلمَ من النقدِ والاعتراض, أوالتقويمِ و التسديد، وعجيبٌ عجيب، أن يقعَ الخلافُ في تحديدِ منهجِ السلف, مع أنَّ معالمهُ لا زالت محفوظةً في كتابِ الله, مُسجَّلةً في دواوينِ السنةِ الشريفة, لذا تبقى قضيةُ الانتسابِ إلى منهجِ السلفِ في الدعوةِ و الإصلاح, مجردُ دعوى تحتاجُ إلى برهانٍ ودليلٍ من كتابٍ و سنةٍ, فليسَ في الأمرِ من غموضٍ أو اشتباهٍ بحمدِ الله, حتى يدعي من شاءَ ما شاء، فالسلفيةُ عقيدةً ومنهجاً و سلوكاً, واضحةَ المعالمِ، وضوحَ الشمسِ في رابعةِ النهارِ, ثُمَّ هي ليست بطاقةٌ شخصية، تُصدرُها جهةً ما, أو أشخاصٌ مفوضون, كلا.كلا إنَّ السلفيةَ عقيدةً و منهجاً وسلوكاً, حقٌ مشاعٌ للجميع, فكلُّ من التزمَ بما كان عليه السلفَ الأولون في عقيدتهم ومنهجهم وسلوكهم، فهو سلفيِّ, ولو اجتمعَ عليه مَن بأقطارها مكذبينَ لهُ ومفندين.