فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وهذا وصلوا وسلموا - رحمكم الله - على النبي العظيم، والمرشد الكريم: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) . [سورة الأحزاب، الآية: 56] .
المراجع
ــــــــــــــــــــ
(1) رواه الترمذي (2140) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
(2) انظر: جريدة المحايد عدد (5) 7/3/1422ه ص 9.
(3) تفسير ابن كثير ص 353 ط دار السلام.
(4) رواه أبو داود (2405) من حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه.
(5) رواه النسائي ورقمه (5209) من حديث أنس رضي الله عنه.
(6) رواه أبو داود ورقمه (2645) والترمذي ورقمه (1604) وقال الألباني في الإرواء (1207) (5/29) : سنده صحيح.
(7) رواه النسائي ورقمه (4177) .
(8) قال شيخ الإسلام في الاقتضاء ص 200 إسناده جيد.
(9) أحكام القرآن للجصاص (3/216) .
(10) انظر: فتاوى الأئمة النجدية (2/447-448) .
(11) انظر: فتاوى علماء البلد الحرام.
(12) انظر: فتاوى المنتقى لفضيلة الشيخ صالح الفوزان.
(13) رواه الترمذي ورقمه (2417) وقال: هذا حديث حسن صحيح.
الخطبة الأولى
إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمَّداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم عليه، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان،
أمَّا بعدُ:
فان الناظر في واقع المسلمين اليوم يجد مرارة وحسرة، مما آل إليه حال الناس شعوباً وأفراداً.
فلا تكاد تمرّ بشارع من شوارعهم، أو سوق من أسواقهم، أو مؤسسة من مؤسساتهم، إلا وتجد المنكرات ظاهرة معلنة، والموبقات واضحة مشاهدة. فقد فسدت أخلاق كثير من الناس فانتشر في حياتهم الغش والخداع، والكذب والنفاق، وضيعت الأمانة أو كادت.
وهان المسلمون على أعدائهم فتسلط عليهم رعاع الناس، يسومونهم سوء العذاب يذبحون أبناءهم، ويهتكون أعراضهم، وينتهبون ثرواتهم، ويبيعون مقدساتهم بأنجس الأثمان.
وإذا قلبت النظر، وأمعنت الفكر والتأمل، وقرأت السنن التي لا تتغير ولا تتبدل بحثاً عن السبب في كل ما حصل ويحصل وجدت السبب واضحاً، لا لبس فيه ولا غموض، فهو يتلخص في كلمتين لا ثالث لهما.
أيها المسلمون:
إن السبب في كل ذلك كله: غياب التقوى!.
وهي التي أبدى القرآن الكريم الحديث حولها وأعاد، مراراً وتكراراً حتى بلغت آيات التقوى أكثر من مائتين وخمسين آية، وما ذلك إلا لعظم شأنها وجلالة قدرها وكبير أثرها في النفس والمجتمع.
ومما يؤسف له، ويُتحسر عليه: أن مفهوم التقوى لا يزال مجهولاً عند الكثيرين، غامضاً عند آخرين، ومائعاً عند الباقين، إلا ما رحم رب العالمين.
فما معنى التقوى، وما حقيقتها يا ترى؟!.
سأل أمير المؤمنين، عمر رضي الله عنه الصحابي الجليل أُبَي بن كعب رضي الله عنه عن معنى التقوى ومفهومها؟! فقال: يا أمير المؤمنين، أما سلكت طريقا ذا شوك؟! قال: بلى قال:فما صنعت؟!
قال: شمرت واجتهدت أي اجتهدت توقي الشوك والابتعاد عنه أُبَي بن كعب: فذلك التقوى!.
إذا فالتقوى: حساسية في الضمير، وشفافية في الشعور، وخشية مستمرة, حذر دائم، وتوقٍ لأشواك طريق الحياة الذي تتجاذبه أشواك الرغائب والشهوات، وأشواك المخاوف والهواجس، وأشواك الفتن والموبقات، وأشواك الرجاء الكاذب. فيمن لا يملك إجابته الرجاء، وأشواك الخوف الكاذب ممن لا يملك نفعاً ولا ضراً، وعشرات غيرها من الأشواك.
خل الذنوب صغيرها ... وكبيرها ذاك التقى
واصنع كماشي فوق ارض ... الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرنّ صغيرةً ... إنّ الجبال من الحصى
هذا هو مفهوم التقوى، فإذا لم يتضح لك بعد فاسمع إلى علي رضي الله عنه وهو يعبر عن التقوى بقوله:
هي"الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والقناعة بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل".
فهل نخاف من الجليل الذي يقول: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ) ويقول: (ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ) ؟!.
وهل يخاف من الجليل من يضيع فرائضه ويخل بواجباته، ويغش الموبقات الواضحات فضلا عن المشتبهات؟!.
وهل عمل المسلمون بالتنزيل قرآناً وسنة؟! أم تراهم استبدلوها، وأخذوا بدلاً عنها قوانين البشر وأنظمتهم الهزيلة القاصرة وجعلوها دساتير مقدسة ولوائح معظمة لا تقبل مناقشة ولا مراجعة ولا نقداً ولا تصحيحاً؟!.
ثم هل قنعنا بالكثير فضلاً أن نقنع بالقليل ونرضى بالستر والكفاف.!.
هذه حقيقة التقوى وهذه مفهومها! فأين واقع المسلمين اليوم من هذه المعاني المشرقة الوضيئة والمضيئة؟!.
لقد كان المجتمع الإسلامي الأول مضرب المثل في نزاهته وعظمة أخلاقه وتسابق أفراده إلى مرضاة ربهم جل جلاله وتقدست أسماؤه.
وكانت التقوى سمة بارزة في محيا ذلك الجيل العظيم، الذي ساد الدنيا بشجاعته وجهاده، وسارت بأخلاقه وفضائله الركبان مشرقاً ومغرباً.
فقد كان إمام المتقين عليه الصلاة والسلام قمة في تقواه وورعه، وشدة خوفه من ربه العظيم الجليل، فكان يقوم الليل يصلي ويتهجد، حتى تفطرت قدماه الشريفتان، وكان يسمع لصدره أزيز كأزيز المرجل من النشيج والبكاء، وهو الذي غُفر له ذنبه ما تقدم منه وما تأخر.
وأما صاحبه المبجل وخليفته العظيم أبو بكر الصديق، رضي الله عنه، فكان يقول:"يا لتيني كنت شجرة تعضد ثم تؤكل"!.
وكان له خادم يأتيه بالطعام، وكان من عادة الصديق، أن يسأله في كل مرة، عن مصدر الطعام، تحرزاً من الحرام!، فجاءه خادمه مرة بطعامه، فنسي أن يسأله كعادته! فلما أكل منه لقمة، قال له خادمه لمَ لمْ تسألني يا خليفة رسول الله، كسؤالك في كل مرة؟!.
قال أبو بكر: فمن أين الطعام يا غلام؟!.
قال: دفعه إلى أناس كنت أحسنت إليهم في الجاهلية، بكهانة لهم.
وهنا ارتعدت فرائض الصديق. وادخل يده في فمه، وقاء كل ما في بطنه وقال، والله لو لم تخرج تلك اللقمة إلا مع نفسي لأخرجتها!.
كل ذلك من شدة خوفه وتقواه، وتورّعه عن الحرام فهل يعي ذلك، أقوام لا يتورعون عن أكل الحرام، واغتصاب أموال الناس وممتلكاتهم، وحقوقهم ومكتسباتهم.
وأما خوف عمر رضي الله عنه وشدة تقواه، فعجب من العجب!
سمع قارئاً يقرأ قوله تعالى: (يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعّاً) فمرض ثلاثاً يعوده الناس!.
بل أنه قرأ مرة قوله تعالى: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ) . فمرض شهراً يعوده الناس مريضاً!.
وأما علي، رضي الله عنه، فكان يقبض لحيته في ظلمة الليل ويقول:"يا دنيا غري غيري، لي تزينت أم لي تشوقت، طلقتك ثلاثاً لا رجعة فيهن، زادك قليل وعمرك قصير"!.
وخرج ابن مسعود مرة في جماعة، فقال لهم:"ألكم حاجة؟! قالوا: لا، ولكن حب المسير معك! قال اذهبوا: فإنه ذلٌّ للتابع وفتنة للمتبوع".
أيها الإخوة الكرام: