فهرس الكتاب

الصفحة 7887 من 9994

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين والآخرين ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الأمين .

اللهمَّ صل وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين .. أما بعد .

فإن الامتحان مأخوذٌ من المحنة ومعناها: الابتلاء والتمحيص والتهذيب فهو يكْشِفُ حقائق الناس .

والواقع أننا في امتحانٍ طويل خلال هذه الدنيا والنجاح المضمون بإذن الله للمؤمنين والمؤمنات ، الذين يعملون الصالحات ، ويسارعون إلى الخيرات ، أولئك في روضات الجنات له ما يشاؤون عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير .

إن من الناس من يُمْتَحَنُ بالمال ، ومنهم مَنْ يُمْتَحَنُ بالجاه ، ومنهم مَنْ يمتحن بصحة البدن ، ومنهم من يمتحن بالمرض والشدة وهكذا إلى غير ذلك من أنواع الامتحان .

والحساب غداً ، والله الموعد ( يوم تجدُ كل نفسٍ ما عملت من خيرٍ محضراً ، وما عملت من سوء تودُّ لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً ) .

والأمة الإسلامية تمتحن اليوم بأنواعٍ من الكيد والمكر من قبل أعدائها من اليهود والنصارى والشيوعيين أذلهم الله ـ وأبطل كيدهم ـ ولن يتخلص المسلمون من هذا المكر الكبار ، واضطهاد الكفار إلا بالرجوع إلى الله عز وجل

فهو خير الناصرين ( فاعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير ) .. {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } .

أيها الناس:

إِن امتحان الدراسة مهما بالغ الآباء في تخويف أبنائهم منه وذلك خطأ ومهما بالغ المدرسون والمسؤولون في ضبطه والشديد فيه فإنه لن يبلغ شيئاً من امتحان الآخرة حيث يكشف المستور ، وَيُحَصَلُ ما في الصدور حين يقف الناس على أقدامهم لرب العالمين حفاةً غير منتعلين ، عراةً غير لابسين غرلاً غير مختونين وتدنو منهم الشمس ويبلغ منهم العرق كل مبلغ قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ( يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعاً ويلجمهم حتى مبلغ آذانُهم ) خ.م .

فويلٌ للظالمين من هذا اليوم ماذا سيقول أهل الإشراك والبغي والعدوان ؟ وبماذا يعتذر أكلة الربا والزناة وأصحاب الفواحش والموبقات وبأي لسان يتكلم من أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات .

{وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً } إنه لئن كان الواحد منا يخشى أن تقلَّ درجات أبنه أو ينخفض معدّله في دنيا فانية فأولى به أن يخشى على نفسه وعلى أبنه من يومٍ عظيم تخِفُّ فيه موازين أقوام: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ} وفي ذلك اليوم تنشر الدواوين وهي صحائف الأعمال فآخذٌ كتابه بيمينه وآخذٌ كتاب بشماله أو من وراء ظهره

قل لي بربك ماذا يستفيد أبنك إذا ضَيّع أمر الله وفرائضه في الدنيا ثم نجح في امتحانها وأخفق في الآخرة فأعطى كتابه بشماله ما هي حالة وهو ينادى بأعلى صوته: { يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ.. وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ.. يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ .. مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ.. هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ } .

ماذا تنفعه دراسته ؟ ماذا اغنت عنه شهاداته ؟ وهو هالكٌ وخاسرٌ خسراناً أبديّا ًحتى وإن استنجد بغيره فما إلى ذلك من سبيل {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ َأُمِّهِ وَأَبِيهِ }

الإخلاء يومئذٍ بعضهم لبعضٍ عدو

الخطبة الأولى

إنَّ الحمد لله نحمد ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً..

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً } .

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا.} .

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} .

أما بعد:

عباد الله.. فأوصيكم ونفسي بتقوى الله سبحانه؛ إذ بها المعتَصَم، ومنها الرِّبحُ والمغنَم، وبسبَبِها يدفع الله البلاءَ والمغرم، {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ} [الطلاق:2، 3] ، {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا} .

أيّها المسلمون:

إنَّ اللهَ جلّ وعلا جعل للنّاس مع الماء أحوالاً متعدِّدة، فقد جعل من الماء كلَّ شيء حيّ ليختبر عبادَه ويبتليَهم؛ أيشكرون أم يكفرون؟ فأنزله سبحانه من المزنِ ليشربُوا امتنانًا من الباري سبحانه على عباده، {أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاء الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ * لَوْ نَشَاء جَعَلْنَاهُ أُجَاجا ً* فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ } [الواقعة:68-70] .

وجعل سبحانه الماءَ مِحنةً وبلاءً وعقوبةً يُرسلها للعاصين من عباده والمعرضين عن هديه وشريعته كما فعل جلّ وعلا بقوم نوح وقوم سبأ، قال سبحانه عن قوم نوح: {فَفَتَحْنَا أَبْوابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ . وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى المَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ} [القمر:11، 12] ، وقال عن قوم سبأ: {فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ} [سبأ:16] ، وقد جاء في مسند أحمد أنّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (( لا تقومُ الساعةُ حتى يمطَر الناسُ مطَرًا لا تُكِنُّ منه بيوت المدَر، ولا تُكِنّ منه إلا بيوتُ الشعر ) ).

كما جعل سبحانه من أحوالِ الماء أن ينزَّل من السماء فتكونُ الأرض له كالقيعان، لا تحبسُ ماءً ولا تنبِتُ كلأً، وهذه الحالُ هي السَّنَة التي ذكرها النبيّ صلى الله عليه وسلم بقوله: (( إنّ السَّنَة ليس بأن لا يكون فيها مطر، ولكنَّ السّنة أن تمطِر السماء ولا تنبتُ الأرض ) )رواه أحمد في مسنده.

والبركة كل البركة ـ عبادَ الله ـ في نزول المطر الذي تَنبُت به الأرض وتحيى به الموات، كما قال تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طَهُورًا . لّنُحْيِىَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا وَنُسْقِيَهِ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِىَّ كَثِيرًا} [الفرقان:48، 49] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت