فهرس الكتاب

الصفحة 9061 من 9994

الخطبة الأولى:

أما بعد...

فاتقوا الله عباد الله واعلموا أن من أعظم وسائل وأسباب تحقيق التقوى معرفة العبد ربه فإنه من عرف الله تعالى اتقاه وأحبه ورجاه وتوكل عليه وأناب إليه واشتاق إلى لقائه وأنس بقربة وأجلّه وعظّمه. فمعرفة الله تعالى منها تتفجر ينابيع الخيرات وعنها تصدر أحسن العبادات وأكمل المقامات: لذا لما كان النبي صلى الله عليه وسلم أكمل الأمة معرفة بالله تعالى كان أتقاهم له وأخشاهم قال صلى الله عليه وسلم: (( أما والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له ) ) (1) رواه مسلم.

فمعرفة الله سبحانه بها تحيا القلوب وتزكو الأرواح وتقبل على الله تعالى وتشتغل به فليس عند أولي العقول والنهى أحلى و لا ألذ ولا أطيب ولا أنعم من معرفة الله سبحانه وإنما يحصل تمام المعرفة وكمالها برؤية الله سبحانه فليس الخبر كالمعاينة، ولو شاهد العباد ربهم سبحانه ورأوا جلاله وجماله وكماله لكان لهم في عبادته وحبه وتعظيمه شأن آخر وقد قال الله في الحديث القدسي عن الذين اجتمعوا لذكره: (( كيف لو رأوني؟ قالت الملائكة: لو رأوك كانوا أشدَّ لك عبادة وأشدَّ لك تحميداً وتمجيداً وأكثر لك تسبيحاً ) ) (2) رواه الشيخان.

لكن لما كانت رؤيته سبحانه وتعالى ممتنعةً في هذه الدار وهي لا تناسب قدرة الخلق وطاقتهم وحالهم فتح الله لعباده طريقاً أخرى يتعرفون بها عليه فذكر سبحانه في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم كثيراً من أسمائه وصفاته وما يجب له وما يستحقه فمن رام تحصيل المعرفة بالله تعالى فعليه أن يديم النظر في كتاب الله تعالى وما فيه من الأسماء والصفات.

فأسماء الله تعالى وصفاته ومعرفته وإثباتها وتعلق القلب بها وشهودها هو مبدأ طريق العبودية ووسطه وغايته. فمعرفة أسماء الله تعالى وصفاته هي الروح التي يسير بها السالكون إلى الله تعالى وهي حاديْهم في سيرهم ومحركُ عزيمتهم إذا فتروا ومثير همهم إذا قصروا.

وقد بعث الله رسله ليعرفوا به وبأسمائه وصفاته فجاؤوا به معرفين وإليه داعين قال ابن القيم رحمه الله في بيان ما قامت به الرسل:"فعرفوا الرب المدعو إليه بأسمائه وصفاته وأفعاله تعريفاً مفصلاً حتى كأن العباد يشاهدونه سبحانه وينظرون إليه فوق سماواته على عرشه يكلم ملائكته ويدبر أمر مملكته ويسمعُ أصوات خلقه ويرى أفعالهم وحركاتهم ويشاهد بواطنهم كما يشاهد ظواهرهم يأمر وينهى ويرضى ويغضب ويضحك من قنوطهم وقرب غِيره ويجيب دعوة مضطرهم ويغيث ملهوفهم ويعين محتاجهم ويجبر كسيرهم ويغني فقيرهم ويميت ويحيي ويمنع ويعطي، يؤتي الحكمة من يشاء. مالك الملك يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء يعز من يشاء ويذل من يشاء، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، كل يوم هو في شأن يغفر ذنباً ويفرج كرْباً ويفك عانياً وينصر مظلوماً ويقصم ظالماً ويرحم مسكيناً ويغيث ملهوفاً ويسوق الأقدار إلى مواقيتها ويجريها على نظامها. . . . وهذا مقصود الدعوة وزبدة الرسالة" (3) انتهى كلامه رحمه الله.

وقد أمر الله سبحانه عباده بأن يتعرفوا عليه فقال تعالى: ?وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا? (4) وقال: ?قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى? (5) والأمر بدعائه بأسمائه يتناول دعاء المسألة والطلب ودعاء الحمد والعبادة والثناء ولا يتم امتثال هذا الأمر إلا بالتعرف على أسمائه الحسنى وصفاته العُلا.

وقد رتب الله سبحانه على معرفة أسمائه وإحصائها الأجر العظيم والثواب الجزيل ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة ) ) (6) وإحصاؤها يتحقق بحفظ ألفاظها وفهم معانيها والتعبد لله بها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت