فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ناصر محمد الأحمد ... ... ...
ملخص الخطبة ... ... ...
1-البركة هبة إلهية اختص الله بها بعض خلقه. 2- القرآن كلام الله وذكر بعض بركات هذا البركات. 3- بركة النبي . 4- بركة أولياء الله الآمرين بالمعروف الدعاة إليه. 5- بركة مكة والمدينة والشام واليمن. 6- بركة النخلة والتمر والخيل. 7- البركة في الصدق والسحور. 8- التمييز بين العطاء المحض والبركة فيه. 9- البركة لا يعطيها الله إلا للمتقين. ... ... ...
الخطبة الأولى ... ... ...
أما بعد:
البركة هي شيء من خير يجعله الله تعالى في بعض مخلوقاته.
والبركة كلها لله تعالى ومنه ،وهو المبارِك جل وعز بيده الخير كله ،والبركة كلها له ،وهو سبحانه يختص بعض خلقه بما يشاء من الخير والفضل والبركة كالرسل والأنبياء والملائكة وبعض الصالحين. قال تعالى: إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين وقال تعالى عن عيسى عليه السلام: قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً وجعلني مباركاً أينما كنت وكذلك فضل الله بعض الأماكن على بعض وبارك فيها كمكة والمدينة والمسجد الأقصى ،وفضل بعض الأزمنة على بعض وبارك فيها ،كشهر رمضان وليلة القدر وعشر ذي الحجة ويوم الجمعة ،وأيضاً فقد أوجد جل وتعالى البركة في الأشياء كالمطر والسحور ونحوها. وإليك أخي المسلم تفصيل هذا الإجمال:
فالقرآن ،كله بركة قال تعالى: وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون وقال سبحانه: وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون قال ابن القيم رحمه الله:"وهو أحق أن يسمى مباركاً من كل شيء لكثرة خيره ومنافعه ووجوه البركة فيه". ويقول صاحب الظلال رحمه الله وهو يصف بركة القرآن:
إنه مبارك في أصله ،باركه الله وهو ينزله من عنده ،ومبارك في محله ،الذي علم الله أنه له أهل، وهو قلب محمد ، ومبارك في حجمه ومحتواه، فإن هو إلا صفحات قلائل ولكنه يحوي من المدلولات والإيحاءات والمؤثرات والتوجيهات في كل فقرة منه ما لا تحتويه عشرات الكتب. وإنه لمبارك في أثره وهو يخاطب الفطرة البشرية بجملتها خطاباً مباشراً عجيباً لطيف المدخل ،فيفعل فيها ما لا يفعله قول قائل. انتهى كلامه رحمه الله.
ومن بركات القرآن أنه رقية ،وأنه دواء وشفاء، ولكن كثيراً من عباد الله حرموا أنفسهم هذا الخير.
يقول ابن القيم عن نفسه: مكثت بمكة مدة يعتريني أدواء ولا أجد طبيباً ولا دواءً فكنت أعالج نفسي بالفاتحة ،فأرى لها تأثيراً عجيباً ،فكنت أصف ذلك لمن يشتكي ألماً فكان كثيراً منهم يبرأ سريعاً.
ثم يقول رحمه الله: ولكن هاهنا أمر ينبغي التفطن له ،وهو أن الآيات والأدعية التي يستشفى بها ويرقى بها هي في نفسها نافعة شافية ،ولكن تستدعى قبول المحل وقوة همة الفاعل وتأثيره. فمتى تخلف الشفاء كان لضعف تأثير الفاعل أو لعدم قبول المنفعل. انتهى (الجواب الكافي ص5) .
أيها المسلمون: أما عن بركة الأشخاص فهناك أشخاص مباركون، ففي مقدمتهم وعلى رأسهم أفضل الأنبياء وسيد الأولين والآخرين نبينا محمد فإنه سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من ينشق عنه القبر وأول شافع وأول مشفع روى مسلم في صحيحه عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول: (( إن الله اصطفى كنانة ،واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بين هاشم ) )فله عليه الصلاة والسلام فضائل عظيمة ومزايا كريمة أنعم الله تعالى عليه بها ،فزادته شرفاً وفضلاً وبركة.
ومن أعظم بركاته عليه الصلاة والسلام هذا الدين الذي بعث به ،فمن قبلها سعد في الدنيا والآخرة ،ومن ردّها خسر الدنيا والآخرة ،قال تعالى: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين وما هذا النكد وهذا الشقاء الذي تعيشه البشرية إلا لبعدها عن هذه الرسالة الخالدة.
أضف إلى ذلك صوراً من بركاته الحسية: من تكثيره الطعام ،ونبع الماء من بين أصابعه الشريفة وإبراؤه المرضى وبركته في إجابة الله تعالى لدعائه صلوات ربي وسلامه عليه.
وهناك أيها الأحبة الصالحون من البشر ،الذين هم أولياء الله عز وجل. وهؤلاء أيضاً بركة على أنفسهم وعلى غيرهم. وفي مقدمة هؤلاء العلماء والدعاة وطلاب العلم العاملين المخلصين ،هؤلاء هم صفوة المجتمع ،فهم مستقيمون في جميع أحوالهم وهم مطيعون لربهم ،أخلاقهم حسنة ،نفوسهم طيبة ،فكيف يكون هؤلاء بركة على المجتمع؟ يكون ذلك من وجوه عديدة:
منها أنهم هم الدعاة بين الناس إلى الخير، وهم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ،وهم الذين يقومون بواجب النصيحة. وكل هذا بركة على الناس.
ومنها: أنهم يعرفون الناس بدينهم وبأحكامه وتشريعاته وآدابه ،فهم ورثة الأنبياء في هذا الباب.
ومن بركتهم الدعاء للناس ،فهم يدعون للفساق والمنحرفين بالهداية ،ويدعون للمؤمنين المستقيمين بالتوفيق والمغفرة ،ونحو ذلك. ولا يخفى الأثر العظيم النافع للدعاء دنيا وآخرة.