فهرس الكتاب

الصفحة 8820 من 9994

إذا كان ذلك كذلك فلا غرابة أن يفتح القلاع ويدك الحصون، حتى فتح الله على يديه وانتزع من الكفار نيفا وخمسين مدينة وحصنا ( [11] ) وينشر الله رعبه في قلوب الأعداء، فضلا عن هيبة الصلحاء، حتى أن بعض المسلمين حينما دخلوا بلاد القدس للزيارة أيام كانت القدس مع الفرنج سمعوا الفرنج وهم يقولون: إن القسيم ابن القسيم- يعنون نور الدين- له مع الله سر، فإنه لم يظفر وينصر علينا بكثرة جنده وجيشه، وإنما يظفر علينا وينصر بالدعاء وصلاة الليل، فإنه يصلي بالليل، ويرفع يده إلى الله، ويدعو فيستجيب له ويعطيه سؤله، فيظفر علينا، قال: فهذا كلام الكفار في حقه ( [12] ) .

أيها الإخوة المسلمون.. أما عدل نور الدين محمود- يرحمه الله- فهو مثال الوصف، ومحل الإعجاب، فهو أول من ابتنى دارا للعدل- كما نقل ابن الاثير وابن كثير- وكان يجلس فيها في الأسبوع مرتين، وقيل أربع مرات وقيل خمس، ويحضر القاضي والفقهاء من سائر المذاهب، ولا يحجبه يومئذ حاجب ولا غيره، بل يصل إليه القوي والضعيف، فكان يكلم الناس ويستفهمهم ويخاطبهم بنفسه- فيكشف المظالم وينصف المظلوم.

وبلغ من عدله أن رأى يوما رجلا يحدث آخر ويومىء إلى نور الدين، فبعث الحاجب ليسأله ما شأنه؟ فإذا هو رجل معه رسول من جهة الحاكم، وهو يزعم أن له على نور الدين حقا يريد أن يحاكمه عند القاضي، فلما رجع الحاجب وأعلم نور الدين ألقى ما بيده وأقبل مع خصمه ماشيا إلى القاضي الشهرزوري، وأرسل القاضي يقول له: لا تعاملني إلا معاملة الخصوم. ثم وقف مع خصمه أمام القاضي حتى انفصلت الخصومة ولم يثبت للرجل على نور الدين حق، بل ثبت الحق السلطان على الرجل، فلما تبين ذلك قال للسلطان: إنما جئت معه لئلا يتخلف أحد عن الحضور إلى الشرع إذا دعي إليه، فإنما نحن معاشر الحكام أعلانا وأدنانا

شجنكية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولشرعه، فنحن قائمون بين يديه طوع مراسيمه، فما أمر به امتثلناه، وما نهانا عنه اجتنبناه، وأنا أعلم أنه لاحق للرجل عندي، ومع هذا أشهدكم أني قد ملكته ذلك الذي ادعى به، ووهبته له ( [13] ) .

لا غرابة بعد ذلك أن تتعلق الرعية به، ويطير صيته في الآفاق، كيف لا وقد أكثر من أعمال البر والإحسان إلى الناس، فعمر المساجد، وبنى المدارس، وأقام المستشفيات، وأسقط عنهم المكوس والضرائب، وما أبقى سوى الجزية والخراج والعشر، وكتب بذلك إلى جميع ولاته في البلاد، فكتبت له أكثر من ألف منشور. كما نقل ذلك العماد في البرق الشامي ( [14] ) .

بل نقل الحافظ ابن كثير أنه كتب إلى الناس ليكون منهم في حل مما كان أخذ

منهم ويقول لهم: إنما صرف ذلك في قتال: أعدائكم من الكفرة والذب عن بلادكم ونسائكم وأولادكم، وأمر الوعاظ أن يستحلوا له من التجار ( [15] ) .

إخوة الإسلام بهذه النوعية من الرجال يرسى دعائم الملك، وبهذه السياسة الحكيمة تصلح الرعية، وبهذه الهمم العالية والدعوات الصادقة ينتصر المسلمون ويذل الكفرة والمنافقون.. والله غالب على أمره وله الأمر من قبل ومن بعد، وهو الحليم الخبير..

اللهم هيئ للمسلمين قادة صالحين أمثال نور الدين وصلاح الدين واجعل المهابة للمسلمين في صدور الكافرين. واذهب ما حل بالمسلمين من ذل وهوان يا رب العالمين.

السُّّجود ِِ

إن الحمد لله / نحمده ، و نستعينه ، و نستغفره /و نعوذ بالله من شرور أنفسنا ، وسيئات أعمالنا / من يهده الله ؛ فلا مضل له / و من يضلل ؛ فلا هادي له / و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له / و أشهد أن محمداً عبدُه ، و رسوله / ـ صلى الله عليه ، وعلى آله ، وصحبه / وسلم تسليماً كثيراً ـ

(( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ / وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) ) (آل عمران:102) (س) .

أما بعد /: فقد آن الأوانُ للنفوس أن تستيقظَ من سباتِها / و تستفيقَ من رقدتِها /وتتحررَ من قيودِ الغفلة /و تستقلَّ قاربَ النجاة /و تستنيرَ بسِرَاجِ الهداية ، والعبادة /لتبدِّدَ ، ظلامَ الحيرةِ والذهولِ ،والغفلة /فتسفرَ نفسُ المسلمِ بلذةِ العبادة / تعبدُ اللهَ ـ جلَّ ، وعلا ـ / لعلمِها ويقينِها أنها عبادةٌ ، و ليسَتْ عادة / أنها حركاتٌ ، وسكناتٌ ، و أذكارٌ ، و أوراد / إنْ خَلَتْ مِنْ الخشوعِ ، والتأمُّل / فإنها لا تليِّنُ قلبَ المؤمنِ ، و ترقِقُه /. . نعم ! / إن كانتْ العبادةُ عادة / دونَ خشوعٍ ، و تأثُّر / فما حاجةُ المسلمِ بها / بل سيتضاءلُ أجرهُ عندَ اللهِ ـ تعالى ـ / . ( س )

ـ أمةَ الإسلام ـ/لنخصَّ من تلكَ العبادات /: عبادةٌ لا يُرَى المؤمنُ أذلَّ ،و أخضعَ للهِ إلا فيها وبها / يضعُ جبهتَه على الأرض /و كفاهُ ، ورُكْبَتَاهُ ، وقَدَمَاه / إيذاناً للنفسِ ، والشيطان / بأنَّ الخضوعَ ،والتذللَ للهِ وحده / فتراهُ هادئَ الأركان / حاضرَ الجَنَان / يتمتمُ بلسانِه الرطبِ بذكرِ الله / (( سبحان ربي الأعلى( ت ) ))/ علوُّ قهرٍ ، وقدرٍ لله / (( وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ) )/ وعلوُّ مكانٍ للذاتِ الإلهيَّة (( ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً ) )/ . سجدَ المؤمنُ لله / يومَ أنْ سجدَ غيُرهُ للشمسِ ، و القمرِ ، والبقر / و آلهةٍ منَ الأخشابِ ، والأحجارِ ، والأشجار /فحقيقٌ أنْ نقفَ معَ السجودِ وقفةَ محاسبةٍ لأنْفسِنَا / حتى تصبحَ عبادةَ روحٍ ، وقلب / لا عبادةَ عادة / ... حتى لا يكونَ السجودُ جسداً بلا روح / و ليلاً بلا قمر / و فجراً بلا نور / وعينين بلا حور.... ( س )

* ـ أمةَ الإسلام ـ/: لكي نعرفَ قدرَ السجودِ من بينِ سائرِ العبادات / و نستزيدَ همَّتَنَا للإكثارِ مِنْه / فلا بُدَّ أنْ نردَّ الأمرَ إلى الِله ، و رسولهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ/ إلى الوحيين/ كتابُ اللهِ ، وسنةُ المصطفى ـ عليه الصلاة ، والسلام ـ/ ؛ حتى تنبعثَ أشعَّةُ الفجرِ الصادقِ إلى سماءِ نفوسِنَا / ونقدحَ زنادَ بحثِنا متبعين ؛ لا مبتدعين /.

ـ قال الحكيمُ الخبيرُ في محكمِ التنزيل /: ـ (( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ / وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ / وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ / وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ / وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ / إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ) ) (الحج:18) .

قال ابنُ كثيٍر ـ رحمهُ الله ـ في تفسيرِ هذهِ الآية: (( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ) )/ أيْ: من الملائكةِ في أقطارِ السماوات / والحيواناتِ في جميعِ الجهات / من الإنسِ ، والجنِّ والدوابِّ ، والطير /.

.وقوله: (( وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ ) )/ إنما خصَّ الشمسَ و القمرَ و النجومَ بالذكر/ لأنها قدْ عُبدتْ من دونِ الله / فبيَّن أنها تسجدُ لخالقِها / و أنَّها مربوبةٌ مسخَّرةٌ / . .

وقال أبو العالية /: ما في السماءِ نجمٌ ولا شمسٌ و لا قمرٌ / إلا يقعُ للهِ ساجداً حيَن يغيب ( ت) / ثمَّ لا ينصرفُ حتى يؤذنَ له / و أما الجبالُ و الشجر/ فسجودُهما بفيءِ ظلالِهما / عن اليمينِ والشمائل / [قال الرازيُّ/: الفيء/: ما بعدَ الزوالِ من الظلِّ ؛ يُسَمَّى فيئاً ] ./

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت