وهؤلاء إخوةُ يوسف عليه السلام . ما الذي جرَّأهم على تغييبِ أخيهم , في ظُلمةِ البئر, وغياهبِ الجب , وإحراقِ دمِ أبيهم ,وإسخانِ دمعتهِ قُرابةَ أربعينَ عاماً ؟ ما الذي جرَّأهم على ذلك , مع أنهم إخوةٌ لأب ؟ ويعيشونَ تحتَ سقفِ بيتٍ واحد .إذاً فأخوةُ النسب, أو المنشأِ, أو الوطنَ ليست سياجاً واقياً ,وليست إطاراً مأموناً يحمي العلائقَ بين النَّاس ,من التصدعِ والانهيار ، أو الكراهيةِ والبغضاء ، أو العداوةِ والخصومةِ .
وهاكَ أخي المسلم مثالاً آخر ، يتبّينُ من خلاله ، أيَّ بشاعةٍ يتصفُ بها الإنسان ، وأيَّ انحدارٍ في إنسانيته ، يَنزلقُ إليه ، حين يخبو داعي الإيمانِ في القلب ، وينعدمُ الإحساسُ بحقوقِ الآخرين, وتتغلبُ الأَثرةُ على الإيثار ؟! )وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاط * إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ [!!أيُ أنانيةٍ هذه , أيُ أَثرةٍ هذه !! يمتلكُ تسعاً وتسعين نعجة ، وبدلاً من أن يتنازلَ لأخيه ، عن بعضِ نِعاجه ، ليؤنّسَ وحشةَ نعجتهِ اليتيمة ، إذا به يسألُ أخاهُ وحيدَته من النِعاج, ليمتلكَ كلَّ شيء ويفقدَ أخوهُ كلَّ شيء ! أيُ أخوةٍ هذهِ. إذاً التي تحرمُ الأخُ من امتلاكِ ما يسدُ الرمق ، ويخفف شدَّة الظمأ .وفي مقابلِ هذهِ النماذجَ المتهالكة ، تطالعُك تلكَ القُمم الساقمة والقدواتُ النادرة ، تُطالعك المثالية ، وقد أصبحتْ واقعاً ملموساً في تعاملِ الأنصارِ مع إخوانِهم المهاجرين وستظلُ تعجبُ, وتعجب ، ولا ينقضي عجبُك ، وأنت تقرأُ في سيرِهم ,وتتساءلُ بدهشة . أيُ إيثارٍ هذا الذي قدَّموه ؟!وأي معروفٍ هذا الذي صنعوه ؟!وأي إحسانٍ هذا الذي بذلوه ؟!حين قامَ قائمُ المؤاخاة ، على تقوى من اللهِ ورضوان .أخرجَ البخاريُ في صحيحه من حديثِ أنسٍ t قال: « قَدِمَ علينا عبدُ الرحمنِ بنُ عوف وآخى النبيُ r بينَه وبينَ سعدِ بنِ الرَّبيع ، فقال سعدٌ قد علمتْ الأنصار أنِّي من أكثرِها مالاً , سأقسمُ مالي بيني وبينكَ شطرين !!ولي امرأتان فانظرْ أعجبهما إليك فأطلقُها حتى إذا حلتْ تزوجتَها ، فقال عبدُ الرحمن ، باركَ اللهُ لك في أهلِك, ومالك ، أين سوقُكم ,دلُّوني على السوق ([1] ) .انظرْ يرحمُك الله , إلى أيِ حدٍ وصلتْ أخلاقياتُ القوم ! وإلى أي مدىً بلغهُ إيثارُهم لإخوانِهم !يعرضُ سعدٌ ,نصفَ مالهِ ,نصفَ ثروته ,التي جمعَها بكدِّه وعرقه ,ولمْ يجمعْها بوسيلةٍ أخرى , ويعرضُ إحدى زوجتيه ليطلقَها, ويتزوجَها أخُوه الأعزب ,بكلِّ طيبةِ نفس , وبكلِّ استعلاءٍ على شهوةِ التملك , وتقديسِ الذات . ابتغاءَ ما عندَ اللهِ من الأجر والمثوبة !!
أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع
الخطبة الثانية
الحمد لله وكفى .. , وبعد
أيُّها الأخُ الحبيب , وقدْ تذكرت الآن , أهميةَ الرابطةِ الأخويةِ الإيمانية بينك وبين إخوانك في العقيدة ,فتذكرْ أنَّ لإخوانك عليك حقاً ,فأرخِ السمعَ غيرَ مأمور ,واستحضرِ القلبَ غير مجبور ،فأولُ واجباتِك تُجاه أخيك ، بذلُ النصحِ له ,وتسديدُه, وتقويمُه ,والصدقُ له في الرأيِ والمشورة ,عندَ البخاري من حديثِ عونِ بنِ أبيِ جُحيفة عن أبيهِ قال: آخى النبيُ r بين سلمانَ وأبي الدر داء ، فزارَ سلمانُ أبا الدر داء ، زيارةً لله وفي ذات الله - فرأى أمَّ الدر داء متبذلةً فقال: ما شأنُك ؟ قالتْ أخوكَ أبو الدر داء ليس له حاجةٌ في الدنيا ، فجاء أبو الدر داء فصنعَ له طعاماً فقالَ له سلمان: كلْ معي يا أبا الدر داء . قال: إنِّي صائم .قال سلمان: ما أنا بآكلٍ حتى تأكلْ , فأكلَ ، فلما كانَ الليل ، ذهبَ أبو الدر داء ، يقومُ ليصلي صلاةَ التهجد ، فقال له أخُوه الناصحُ الأمين سلمان: نمْ يا أبا الدر داء ، فنام ، ثم ذهبَ أبو الدر داء ليقوم ، فقال له سلمانْ: نمْ يا أبا الدر داء فنامْ ، فلما كانَ من آخرِ الليل قال سلمانْ ، قمْ الآن يا أبا الدر داء ؟فقاما معاً فصليا ، فقال له سلمان لأبي الدر داء إنَّ لأهلك حقاً, ولنفسك عليك حقاً ., فقال رسول الله r ,صَدَقَ سلمان ( [2] ) . أرأيت أخي المسلم كيف تكون الأخوة في الله ؟ وكيف تكون النصيحة للأخ في الله ؟
ومن الواجبات كذلك ما جاء في الحديث الصحيح: « حقُّ المسلم على المسلم ست قيل ما هن يا رسول الله قال إذا لقيته فسلم عليه, وإذا دعاك فأجبه, وإذا استنصحك فانصح له, وإذا عطس فحمد الله فشمته, وإذا مرض فعده, وإذا مات فاتبعه » ( [3] ) رواه مسلم وغيره .
وحبسنا مّما ذكرنا هذه الإشارات ففيها تذكرة لكل عبد منيب, والله المسوؤل أن يصلح أحوال المسلمين, ويجعلهم جسداً واحداً, متحابين في جلاله . متنعمين برحمته, ورضوانه ، متغييئين جميل كرمه, ونعمائه .
اللهم إنا نسألك رحمة تهدي بها قلوبنا ، وتلم بها شعثنا ، وتذهب بها الفتنة عنّا .
اللهم احفظنا بالإسلام قائمين, وقاعدين, وراقدين, ولا تشمت بنا العداء الحاسدين, برحمتك يا أرحم الراحمين .
1ـ رواه البخاري ورقمه (1944) .
[2] ـ رواه البخاري (5788) .
[3] - رواه مسلم (2162) .
بسم الله الرحمن الرحيم
أيها الأخوة في الله: لقد كان سلفُنا الصالحُ قمماً في الاقتداءِ ، ونبراساً في التأسي والاهتداءِ بهدي ربِ الأرضِ والسماء ، ففي كلِ صغيرةٍ وكبيرةٍ من أمورِ حياتِهم ، وشؤونِ عيشهِم ، يتحرون سنةَ نبيِّهم r ، ويتلمسون منهاجَ رسولِهم ، فنالوا بذلك وِسامَ خيرِ القرون ، وفازوا بصحبةِ الرسولِ r ، وحققوا بهذا الاتباعِ الانجازاتِ الباهرة ، والانتصاراتِ الرائعة .