فهرس الكتاب

الصفحة 6294 من 9994

#قصة سؤال موسى عليه السلام ربه شيئاً يذكره به

الشيخ / علي حشيش

الحلقة الرابعة والستون

نواصل في هذا التحذير تقديم البحوث العلمية الحديثية للقارئ الكريم حتى يقف على حقيقة هذه القصة التي اشتهرت على ألسنة الخطباء والوعاظ والقُصَّاص.

أولاً: متن القصة:

رُوِي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"قال موسى عليه السلام: يا رب علمني شيئًا أذكرك به وأدعوك به؟ قال: قل يا موسى: لا إله إلا الله. قال: كل عبادك يقول هذا. قال تعالى: قل لا إله إلا الله، قال موسى: لا إله إلا أنت إنما أريد شيئًا تخصني به، قال تعالى: يا موسى لو أن السموات السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة مالت بهن لا إله إلا الله".

ثانيًا: التخريج:

هذه القصة أخرجها الإمام النسائي في"السنن الكبرى" (6-209) (ح10670) ، وأبو يعلى في"المسند" (2-528) ح (1393) ، وابن حبان ح (2324- موارد) ، والحاكم في"المستدرك" (1-528) ، والبيهقي في"الأسماء والصفات" (ص164) ، والطبراني في الدعاء ح (148) ، وأبو نعيم في"الحلية" (8-327) كلهم من طريق دراج أبي السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد به مرفوعًا.

ثالثًا: التحقيق:

هذه القصة واهية وسندها غريب من حديث دراج عن أبي الهيثم.

أ- فقد أوردها الحافظ ابن حجر في"التهذيب" (3-180) وقال:

1-دراج بن سمعان يقال اسمه عبد الرحمن، ودراج لقب، أبو السمح القرشي السهمي مولاهم المصري القاصُّّ.

2-قال عبد الله بن أحمد عن أبيه:"حديثه منكر".

3-وقال فضلك الرازي:"ليس بثقة ولا كرامة".

4 وقال الدارقطني:"ضعيف". وقال في موضع آخر:"متروك".

5-وقال النسائي:"ليس بالقوي"، وقال في موضع آخر:"منكر الحديث".

ب- وأوردها الإمام ابن عدي في"الكامل" (3-112) (25-647) وقال:

1-سمعت ابن حماد يقول: دراج أبو السمح منكر الحديث. قاله أحمد بن شعيب النسائي.

2-حدثنا ابن أبي عصمة، قال: حدثنا أحمد بن أبي يحيى قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول:"أحاديث دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد فيها ضعف".

3-ثم ساق له ابن عدي أحاديث وقال:"عامة هذه الأحاديث مما لا يتابع دراج عليه".

قلت: وأحاديث دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد غير مستقيمة. قاله الآجري عن أبي داود. كذا في"التهذيب" (3-181) ، وهذه القصة منها، ولقد بيّن الإمام الذهبي في"الميزان" (2-24-2667) أنه كان قصاصًا، قال ابن يونس: كان يقص بمصر، مات سنة ست وعشرين ومائة، ثم أقرّ الإمام الذهبي أقوال الأئمة التي أوردناها آنفًا في دراج بأنه"منكر الحديث"خاصة في روايته عن أبي الهيثم عن أبي سعيد، وبين أن لابن وهب عن عمرو بن الحارث عن دراج نسخة عن أبي الهيثم عن أبي سعيد مرفوعًا ثم أورد أحاديث منكرة منها. وبهذا السند جاءت القصة فهي واهية منكرة.

ج- ولقد أورد هذه القصة الشيخ الألباني رحمه الله في"ضعيف الترغيب والترهيب" (1-460) (ح923) وبين علتها وضعفها.

رابعًا: دلائل نكارة المتن:

لقد بينا من التحقيق أن الحديث الذي جاءت به القصة منكر ودلائل النكارة ظاهرة على المتن.

1-من قوله:"عامرهن غيري"حيث أثبت حلول الله في السماء وهذا لا يقوله أحد من أهل السنة أن الله من عمار السماء ولا يتوهم الحلول من قوله تعالى: أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض {الملك: 16} .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في"مجموع الفتاوى" (3-52) :"وكذلك قوله تعالى: أأمنتم من في السماء ."

من توهم أن مقتضى هذه الآية أن يكون الله في داخل السماوات فهو جاهل ضال بالاتفاق.

ولما كان قد استقر في نفوس المخاطبين أن الله هو العلي الأعلى وأنه فوق كل شيء كان المفهوم من قوله: إنه (في السماء) أنه في العلو، وأنه فوق كل شيء.

وإن قدر أن السماء المراد بها الأفلاك: كان المراد أنه عليها، كما قال: ولأصلبنكم في جذوع النخل ، وكما قال: فسيروا في الأرض وكما قال: فسيحوا في الأرض . أه.

قلت: وهذا البيان نقله الدكتور محمد خليل هراس في"شرح العقيدة الواسطية"طبعة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ص (64، 83) حيث قال:"ولا يجوز أن يفهم من قوله في السماء أن السماء ظرف حاوٍ له سبحانه بل إن أريد بالسماء هذه المعروفة (ففي) بمعنى (على) كما في قوله تعالى: ولأصلبنكم في جذوع النخل {طه: 71} ، وإن أريد بها جهة العلو (ففي) على حقيقتها فإنه سبحانه في أعلى العلو".

2-ومن دلائل نكارة رواية دراج عن أبي الهيثم، مراجعة موسى ربه مرتين، وردُّه الذكر بكلمة التوحيد مرتين، بدعوى أنه يريد شيئًا يخصه به غير كلمة التوحيد، وكأن موسى عليه السلام لا يعرف مقدار فضل هذه الكلمة التي بين النبي صلى الله عليه وسلم أنها أفضل جميع شعب الإيمان كما في صحيح مسلم (ح58) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت