فهرس الكتاب

الصفحة 2856 من 9994

#الزهد في الدنيا والاستعداد للموت

عبد العظيم بدوي الخلفي

ملخص المادة العلمية

شدة الموت وأن العاقل الذي يستعد له.أن على الإنسان أن يعلم أنه ما من شيء يحبه إلا وسوف يفارقه.فضل قيام الليل.فضل الاستغناء عما في أيدي الناس.

عن علي قال: قال رسول الله: (( أتاني جبريل فقال: يا محمد عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، واعلم أن شرف المؤمن قيام الليل، وعزه استغناؤه عن الناس ) ).

هذه كلمات جامعة من جوامع كلم رسول الله التي أوتيها.

قال الغزالي: جمعت هذه الكلمات حكم الأولين والآخرين، وهي كافية للمتأمل فيها طول العمر، إذ لو وقف على معانيها، وغلبت على قلبه غلبة يقين استغرقته، وحالت بينه وبين النظر إلى الدنيا بالكلية والتلذذ بشهواتها. وقد تضمنت هذه الكلمات التنبيه على قصر الأمل، والتذكير بالموت واغتنام الأوقات، والتحذير من الاغترار بالاجتماع، والحث على التهجد، وبيان جلالة علم جبريل عليه السلام، وغير ذلك.

وإنما خاطب جبريل النبي باسمه المجرد دون: يا أيها الرسول، أو: يا أيها النبي، لأنه المناسب لمقام الوعظ والتذكير.

وقوله: (( عش ما شئت فإنك ميّت ) )إنما بدأ بذكر الموت لأنه أفظع ما يلقاه الإنسان وأبشعه، فهو أشد من ضرب بالسيوف، ونشر بالمناشير، وقرض بالمقاريض، وهو بمنزلة حسكة كانت في صوف، فهل تخرج الحسكة من الصوف إلا ومعها صوف؟!

روي أنه لما حضرت عمرو بن العاص الوفاة قال له ابنه: يا أبتاه! إنك كنت تقول: يا ليتني كنت ألقى رجلا عاقلا لبيبا عند نزول الموت حتى يصف لي ما يجد، وأنت ذلك الرجل، فصف لي ما تجد. فقال: يا بني، والله كأن جنبي في تخت، وكأني أتنفس من ثقب إبرة، وكأن غصن شوك يجذب من قدمي إلى هامتي، ولقد وجد رسول الله وهو خليل الله من شدة الموت شيئا كثيرا، حتى أنه كانت بين يديه ركوة أو علبة فيها ماء، فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه ويقول: (( لا إله إلا الله، إن للموت سكرات ) ).

ولذا قالت عائشة رضي الله عنها: لا أكره شدة الموت لأحد بعد النبي ، فيا أيها الناس: قد آن للنائم أن يستيقظ، وحان للغافل، أن ينتبه، قبل هجوم الموت بمرارة كأسه، وقبل سكون حركاته، وخمود أنفاسه، ورحلته إلى قبره، ومقامه بين أرماسه.

فقد أجمعت الأمة على أن الموت ليس له سن معلوم، ولا زمن معلوم، ولا مرض معلوم. فكونوا على أهبة لذلك، واستعدوا للرحيل قبل يوم الرحيل، واستجيبوا لربكم حيث قال: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون [الحشر:18-20] .

يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون [المنافقون:9-11] .

وإذا كان الموت قادما لا محالة تعيّن على العاقل أن يكون قصير الأمل، مغتنما للأوقات، ذا همة عالية في التزوّد من الخيرات، وبهذا كان السلف يتواصون: قيل لمحمد بن واسع: كيف أصبحت؟ قال: ما ظنك برجل يرتحل كل يوم مرحلة إلى الآخرة. وقال الحسن: إنما أنت أيام مجموعة كلما مضى يوم مضى بعضك، وقال: ابن آدم! إنما أنت بين راحلتين مطيتين يوضعانك، يوضعك الليل إلى النهار، والنهار إلى الليل، حتى يسلمانك إلى الآخرة، فمن أعظم منك يا ابن آدم خطرا؟

وقال داود الطائي: إنما الليل والنهار مراحل ينزلها الناس مرحلة مرحلة، حتى ينتهي ذلك بهم إلى آخر سفرهم، فإن استطعت أن تقدم في كل مرحلة زادا لما بين يديها فافعل، فإن انقطاع السفر عما قريب، والأمر أعجل من ذلك فتزود لسفرك واقض ما أنت قاض من أمرك، فكأنك بالأمر قد بغتك، وكتب بعض السلف إلى أخ له: يا أخي! يخيل لك أنك مقيم، بل أنت دائب السفر، تساق مع ذلك سوقا حثيثا، الموت متوجّه إليك، والدنيا تطوى:

تزود من التقوى فإنك لا تدري إذا جن ليل هل تعيش إلى الفجر

فكم من فتى أمسى وأصبح ضاحكا وقد نسجت أكفانه وهو لا يدري

وكم من صغار يرتجي طول عمرهم وقد أدخلت أجسادهم ظلمة القبر

وكم من عروس زينوها لزوجها وقد قبضت أرواحهم ليلة القدر

وكم من صحيح مات من غير علة وكم من عليل عاش حينا من الدهر

قال رسول الله: (( بادروا بالأعمال، فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، ويمسي كافرا ويصبح مؤمنا، يبيع دينه بعرض من الدنيا ) ).

وقال: (( اغتنم خمسا قبل خمس: حياتك قبل موتك، وشبابك قبل هرمك، وصحتك قبل مرضك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت