فهرس الكتاب

الصفحة 7105 من 9994

#منهج السلف في تفويض الصفات

إعداد/ د. محمد عبد العليم الدسوقي

إجماع السلف على إثبات الصفات وقصر التفويض فيها على الكيف

أجمع سلف هذه الأمة، على وجوب العلم بالصفات الخبرية من نحو اليدين والعينين والوجه، والاختيارية من نحو الاستواء والنزول والمجيء يوم القيامة- كما أخبر سبحانه عن نفسه وأخبر عنه نبيه عليه الصلاة والسلام- كما أجمعوا على التسليم بجميع هذه الصفات وإثباتها وحملها جميعاً على ظاهرها.. وقد نقل الإجماع على هذا وعلى قصر التفويض في تيك الصفات على الكيف علماء مثل: ـ

أولا: الإمام الأوزاعي وذلك فيما رواه عنه الحاكم والذهبي والبيهقي بسند جيد، قال:"كنا والتابعون متوافرون، نقول: إن الله عز وجل فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته (1) وللأوزاعي من رواية الخلال في كتاب السنة قوله: سئل مكحول والزهري- هما أعلم التابعين في زمانهم-عن تفسير أحاديث الصفات فقالا: أَمِرُّوها على ما جاءت، وله من طريق بقية بن الوليد كانا يقولان: أمروا الأحاديث كما جاءت (2) ، وإنما قال الأوزاعي هذا بعد ظهور مذهب جهم المنكِر لكون الله فوق عرشه والنافي لصفاته؛ ليعرف الناس أن مذهب السلف يخالف هذا.. والوليد بن مسلم، حيث روى عنه الإمام الذهبي قوله: سألت الأوزاعي ومالك بن أنس وسفيان الثوري والليث بن سعد عن الأحاديث التي فيها الصفات؟ فكلهم قالوا لي: أمروها كما جاءت بلا تفسير (3) وقولهم: أمروها بلا تفسير يقصدون به بلا تكييف كما يتضح في رواية أخرى ذكرها الذهبي أيضاً- قوله: سألت الأوزاعي والليث بن سعد ومالكاً والثوري عن هذه الأحاديث التي فيها الرؤية وغير ذلك فقالوا: أمضها بلا كيف، وفي رواية أمِرّوها كما جاءت بلا كيف، وقولهم رحمة الله عليهم: (أمروها كما جاءت) رد على المعطلة، وقولهم: (بلا كيف) رد على الممثلة (4) .. وكما هو معلوم فإن جميعهم من أئمة الدنيا وكبار تابعي التابعين (5) . فمالك هو إمام أهل المدينة والحجاز، والثوري إمام أهل الكوفة والعراق، والأوزاعي إمام أهل دمشق والشام، والليث إمام أهل مصر والمغرب."

ثانيًا: كما حكى الإجماع محمد بن الحسن فقيه العراق وصاحب أبي حنيفة وذلك فيما رواه عنه أبو القاسم هبة الله اللالكائي وابن قدامة والذهبي وموفق الدين المقدسي وغيرهم، قال: اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة الرب عز وجل من غير تفسير (6) ولا وصف ولا تشبيه، فمن فسر شيئاً من ذلك فقد خرج عما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وفارق الجماعة، فإنهم لم ينفوا ولم يفسروا، ولكن آمنوا بما في الكتاب والسنة ثم سكتوا، فمن قال بقول جهم- يعني في نفي الصفات وإخراجها عن ظاهر معناها- فقد فارق الجماعة؛ لأنه وصفه بصفة (لا شيء) (7) .

ففي عبارات الإمضاء والإمرار بلا تفسير التي جئ بها في جانب الكيف وأريد بها التفويض، إشارة واضحة إلى أن الجانب الآخر المتعلق بمعاني الصفات هو ما يجب الوقوف عليه ومعرفة معناه والمراد منه.. وفي هذه العبارات أيضاً وفيما أفادته وأومأت إليه إشارة إلى إبقاء دلالة الصفات على ما جاءت به من معانٍ، ولا شك أنها جاءت لإثبات المعاني اللائقة به سبحانه، كما أن تلك العبارات تعني أنهم إنما أرادوا من قولهم: (أمروها) الرد على المعطلة، وبقولهم: (بلا كيف) الرد على الممثلة، كما أنها تومئ إلى أن منهج السلف ومعتقدهم فيما يتعلق بالصفات هو الإثبات لا النفي، إذ لو كانوا لا يعتقدون ثبوت الصفات ما احتاجوا إلى نفي الكيفية؛ لأن غير الثابت لا وجود له في نفسه فنفي كيفيته من العبث.

ثالثا: ومما يفيد إجماعهم على ما ذكرنا من إثبات الصفات والوقوف على معناها، لكن مع عدم البحث عن الكيفية، ما جاء عن شريك القاضي فيما حكاه عنه عباد بن العوام قائلاً: قدم علينا شريك بن عبد الله مذ نحو من خمسين سنة، فقلنا له: يا أبا عبد الله، إن عندنا قوماً من المعتزلة ينكرون هذه الأحاديث: (إن الله ينزل إلى السماء الدنيا) ، و (إن أهل الجنة يرون ربهم) ، فحدثني شريك بنحو من عشرة أحاديث في هذا، ثم قال: أما نحن فأخذنا ديننا عن أبناء التابعين عن الصحابة، فهم عمن أخذوا؟! (8) .. وما جاء عن سفيان بن عيينة حين قيل له: هذه الأحاديث التي تروى في الرؤية؟ قال: حق على ما سمعناها ممن نثق به ونرضاه (9) .. وما جاء عن شيخ خراسان قتيبة بن سعيد قال: قول الأئمة في الإسلام والسنة والجماعة: نعرف ربنا سبحانه بأنه في السماء السابعة على عرشه، كما قال جل جلاله: الرحمن على العرش استوى [طه:5] (10) .. وما جاء عن إمام المحدثين علي بن المديني وقد سئل: عن قول أهل السنة والجماعة فقال: يؤمنون بالرؤية وبالكلام، وأن الله عز وجل فوق عرشه استوى (11) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت