#فتح مكة 2
الفتح المبين
ـ كان ذلك في شهر رمضان سنة ثمان من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة.
وسببها أن أناسًا من بني بكر، كلموا أشراف قريش في أن يعينوهم على خزاعة بالرجال والسلاح. (وخزاعة كانت قد دخلت في عهد المسلمين) ، فأجابوهم إلى ذلك، وخرج حشد من قريش متنكرين متنقبين، فيهم صفوان بن امية، وحويطب بن عبد العزى ومكرز بن حفص، فالتقوا مع بني بكر في مكان اسمه الوتير، وبيتوا خزاعة ليلاً وهم مطمئنون آمنون، فقتلوا منهم عشرين رجلاً، وعندئذ خرج عمرو بن سالم الخزاعي في أربعين راكبًا من خزاعة، فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبرونه بما أصابهم، فقام وهو يجر رداءه قائلاً:
"لا نُصرت إن لم أنصر بني كعب، مما أنصر منه نفسي"وقال:"إن هذا السحاب ليُستهل بنصر بني كعب".
وندمت قريش على ما بدر منها، فارسلت أبا سفيان بن حرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليجدد الهدنة ويماددها. وقدم أبو سفيان على رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه فلم يرد عليه شيئًا، فذهب إلى أبى بكر فكلمه أن يكلم له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:"ما أنا بفاعل".
ثم أتى عمر بن الخطاب فكلمه فقال:"أأنا أشفع لكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فوالله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به (والذر صغار النمل) ".
وانطلق أبو سفيان عائدًا إلى مكة خائبًا، لم يأت بشيء.
وتجهز رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقد أخفى أمره، وقال:"اللهم خذ على أبصار قريش فلا يروني إلا بغتة".
ولما أجمع النبي صلى الله عليه وسلم المسير، كتب حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش يحذرهم من غارة عليهم من المسلمين. قال علي رضي الله عنه:"فبعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير، والمقداد. فقال انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة (امرأة) معها كتاب فخذوه منها. قال: فانطلقنا تعادى بنا خيلنا، حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة. قلنا لها: أخرجي الكتاب، قالت: ما معي كتاب. فقلنا: لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب. قال: فأخرجته من عقاصها. فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس بمكة من المشركين يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا حاطب ما هذا؟ قال: يا رسول الله، لا تعجل عليّ، إني كنت امرءً ملصقًا في قريش - أي كنت حليفًا لهم ولست منهم- وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم، أن أتخذ عندهم يدًا يحمون قرابتي، ولم أفعله ارتدادًا عن ديني ولا رضى بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه قد صدقكم ، فقال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال: إنه قد شهد بدرًا وما يدريك لعل الله اطلع على من شهد بدرًا فقال: اعملوا ما شئتم قد غفرت لكم، فأنزل الله تعالى: ]يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة، وقد كفروا بما جاءكم من الحق.. [ الآيات إلى قوله تعالى: ] فقد ضل سواء السبيل[. واستخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة كلثوم بن حسين، وخرج يوم الأربعاء لعشر ليال خلون من شهر رمضان بعد العصر، وأرسل صلى الله عليه وسلم إلى من حوله من العرب: أسلم وغفار ومزينة، وجهينة وغيرهم، فالتقى كلهم في الظهران - مكان بين مكة والمدينة- وقد بلغ عدد المسلمين عشرة آلاف. ولم تكن الأنباء قد وصلت قريشًا بعد، ولكنهم كانوا يتوقعون أمرًا بسبب فشل ابي سفيان فيما جاء به إلى المدينة، فأرسلوا أبا سفيان، وحكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء ليلتمسوا الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبلوا يسيرون، حتى دنوا إلى مر الظهران فإذا هم بنيران عظيمة، فبينما هم يتساءلون فيما بينهم عن هذه النيران، إذ رآهم أناس من حرس رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتوا بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلم أبو سفيان".
قال ابن إسحاق يروي عن العباس تفصيل إيمان أبي سفيان:"فلما أصبحن غدوت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله؟ قال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك! .. والله لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى عني شيئًا بعد. وقال: ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟ قال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، أما هذه والله، فإن في النفس منها حتى الآن شيئًا، فقال له العباس: ويحك.. أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وان محمدًا رسول الله قبل أن تضرب عنقك. قال: فشهد شهادة الحق فأسلم."
قال العباس: فقلت يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئًا، قال: نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن.