أما بعد: فالعاقل إذا سمع بالأحداث من حوله ، والآيات في حق غيره ثم نقصه، وأحسن علمه ، فكيف بمن رآها عياناً في غيره ، فكيف بمن وجها في نفسه (( سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ ) ) (فصلت:53)
فكلما اتحي من جثمانه أثر ، زاد إيمانه أثر ، ولكما نقص من قوى بدنه ، زاد في قوة إيماه ويقينه ورغبته في الله والدار الآخرة فإن لم هكذا فالموت خير له [6] فمن لم يورثه طول العمر الاستدارك واغتنام الفرص في العمل الصالح وإلا فهو على خطر قال تعالى (( أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ ) ) ( فاطر 37) .
واليقين عباد الله منزلة عالية يدركها العبد بما يقول الله بثلاثة أمور
تدبر القرآن وتدبر الآيات التي يحدثها الله في الأنفس والآفات التي تبين أنه الحق والعلم بموجب العلم قال تعالى: (( سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) ) (فصلت:53) الضمير عائد على القرآن ) .
إن ما يستفاد من هذه الحادثة اثر الدعاء ولا سيما في ظلمات البحر وخاصة عند الرخاء )
هذا نبي الله ورسوله يونس من متى - عليه الصلاة والسلام- حيث وقع في البحر وكل الله به الحوت فابتلعه فهو به إلى قرار أرض البحر فسمع يونس تسبيح الحصى (( فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ) ) (الأنبياء:87) .
ظلمة بطن الحوت وظلمة البحر وظلمة الليل قال تعالى: (( فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ) ) (الأنبياء:76)
قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( دعوة أخي ذي النون لا إله إلا أن سبحانك إني كنت من الظالمين ما دعا بها مسلم في شيء قط إلا فرج الله عنه ) )
ومن العبر: حقاره الدنيا، وقصر مدتها فالإنسان لا يدري متى يطويه الموت ولا في أي مكان (( وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ) ) (لقمان:34)
وإذا أراد الله قبض عبدٍ بمكان جعل له إليه حاجة فأولى بالمرء أن يتزود بعلم صالح قبل الارتحال . ألآ بسما هذه الحياة ولهوها ... وبئس بلهوي في الحياة وغفلتي
فما أهون الدنيا التي إن سرت أحزنت وإن أضحكت أبكت
طُبعت على كدر وأنت تريدها صفواً من الأقذاء والأكدارِ
وأنما الراحة الكبرى ، والسرور الدائم ، هناك في الجنة حيث النعيم المقيم (( وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ) ) (فاطر:34) .
(( لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ ) ) (الحجر: 48) .
ومن العبر: لنا معاشر الأحياء عظيم أثر الأعمال الصالحة في وقت الرخاء وأن الله ينجي بها من يشاء فلقد ذكر بعض الناجين من الفرق بأن رجلاً يتجاوز السبعين من العمر نجا ولم يفقد من أسرته أحد مع تأخر الإنقاذ لأصحاب السفينة المنكوبين والأمواج تتقاذفه ثم نجاه الله تعالى ولكم تذكون خبر الثلاثة من بني إسرائيل الذين انطبقت الصخرة عليهم فدعو الله بصالح أعمالهم بر الوالدين ، وإعطاء لناس حقوقهم والعفة عن الحرام بعد القدرة عليه والحديث في الصحيحين ولربما أن الله اختار لبعضهم الشهادة كالغريق شهيد كما يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ومن العبر ضعف الإنسان مهما بلغت قوته وضرورته إلى ربه جل وعلا في كل وقت ولا سيما عند اشتداد الأزمات ، وحاجة العبد إلى الثبات (( يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ) ) (إبراهيم:27)
ولكنه يطغي، وينسى العلي الأعلى إذا ظن أنه قد استغنى قال الله تعالى (( كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى* أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى* إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى ) ) (العلق:6-8) .
فيا عجباً لمن لمن يجادلون الله ورسوله ، ويتطالعون على الناس، ويظلمون عباد الله ، ويفسدون في الأرض بمعصية الله ويبدلون نعمة الله كفرا (( يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ ) ) (النحل:83) .
اشتغلوا أنفسهم بغير ما خلقوا من أجله ، وأثروا ما يغني على ما يبقى حياتهم لهو ولعب، وعنا وطرب ، اضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات (( اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ ) ) (الأنبياء:1) .
قست قلوبهم من أكل الحرام فما تنفعهم المواعظة والعبر مرضت قلوبهم فما شعروا ، وجاءتهم العبر فما اعتبروا ، ووصت إليهم النذر فاعرضوا ، وذكروا فغضوبا واستكبروا ،
ألا ليت أهل البغي في الأرض لامسوا من البحر والأمواج سر المنية
فيا ربما عادوا إلى الحق عودة وتابوا إلى الرحمن أجمل توبة
نسأل الله لنا ولإخواننا المسلمين العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدنيا والآخرة
وأن يرزقنا التوبة الصادقة وأن يشفي جميع مرضى المسلمين وأن يفك أسرهم ويرحم موتاهم، ويتقبل شهدائهم، وأن يصلح علمائهم وولاتهم وشبابهم ونسائهم .
وأن يقطع دابر المفسدين وأن يرد كيد الكافرين المتعدين إلى نحورهم اللهم عليك بالكفرة والمعاندين الذين يسبون رسولك الكريم صلى الله عليه وسلم
اللهم أهدهم إلى الإسلام فإن لم يهتدوا فنسألك اللهم أن تنزل بهم العقوبات المتعددة والأمراض المتنوعة وأن تكفي المسلمين شرهم بما شئت وأنت السميع العليم.
[1] مفتاح دار السعادة ج2/ط دار الله الجوزري
[2] من قصيدة بهذه الحادثة للدكتور عبد الرحمن العشماوي
[3] من قصيدة العشماوي أنفة الذكر
[4] من قصيدة العشماوي أنفة الذكر
[5] من قصيدة العشماوي أنفة الذكر
[6] من قصيدة العشماوي أنفة الذكر
إن الحمد لله نحمده
أيها المسلمون: حقيقة الإيمان لا تتم إلا بالشهادتين شهادة (أن لا إله إلا الله) وشهادة (أن محمدا رسول الله) فالشهادة لله بالوحدانية في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته والشهادة للنبي صلى الله عليه وسلم بالنبوة والرسالة وتمام ذلك يكون بطاعته فيما أمر وتصديقه فيما أخبر واجتناب ما عنه نهى وزجر وألا يعبد الله إلا بما شرع وواجب الأمة محبة المصطفى وإتباعه و تعزيزه وتوقيره .
قال تعالى: (( لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ) ) (الفتح: 9) .
ويقول صلى الله عليه وسلم: (( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين ) )رواه مسلم.
وعن عبد الله بن هشام قال: (( كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب فقال له عمر يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك . فقال له عمر فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الآن يا عمر ) )رواه البخاري .
فحب النبي صلى الله عليه وسلم وطاعته ونشر سنته وتعطير المجالس وإمتاع الأسماع بسيرته وشمائله ونصرته والذب عن عرضه والدفاع عنه ، توحيد وإيمان .
ولئن كان ذلك واجبا على الدوام وسائر الأحوال فوجوبه أوكد وأعظم حين تتعرض الذات الكريمة للأذى والسخرية والاستهزاء .