فهرس الكتاب

الصفحة 8465 من 9994

ومنها ضرب الناس بالفاقة والفقر والهوان والذلة.

ومن أخطر آثار تركه كثرة الشرور، وتنوع الفتن، التي تُغير القلوب ، وتُظلم الوجوه ، وتُشتت الشمل ، وتفرق الكلمة ، وتجعل بأس الناس بينهم حتى يضرب بعضهم رقاب بعض .

ومنها الضلال بعد الهدى، والتيه في أودية الردى ، والمجادلة بالباطل لدفع الحق .

ولقد توعد الله تعالى المجتمع الذي لا يتناهى عن المنكر باللعنة والسخط والغضب ، وأليم العقاب ، وشديد العذاب فقال: (( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ ، كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ ) ). ومن أعظم آثاره أيضا عدم إيجابة الدعاء ,

ومنها سوء الخاتمة، حيث يهلكون مهلك الظالمين، ثم يبعثون على نياتهم.

نعوذ بالله من سوء الخاتمة ، ونسأل الله العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدنيا والآخرة ، وأن يجعلنا من أوليائه المتقين، وعباده المؤمنين، وجنده الغالبين، وأن يبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعته، ويذل فيه أهل معصيته، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، وأن يهيئ لنا من أمرنا رشدا إنه تعالى سميع قريب مجيب ، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه .

الخطبة الثانية

الحمد لله يُعطي ويمنع، ويخفضُ ويرفع، ويضرُ وينفع، ألا إلى اللهِ تصيرُ الأمور. وأُصلي وأسلمُ على الرحمةِ المهداة، والنعمةِ المُسداة، وعلى آلهِ وأصحابه والتابعين .

الوقفة الخامسة والأخيرة: إن الداعين إلى الخير والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ، هم من خير الناس وأفضلهم ، وهم ممن يرجى لهم الفلاح ، حيث إنهم يسعون للصلاح والإصلاح ، إنهم هم الذين يقفون في تيار الفساد، ليصدوه عن العباد، وهم الذين يسهرون لحماية الأعراض، ويجتهدون في تقليل الأمراض، وهم الذين يوجهون الناس إلى الخير ، ويحولون بينهم وبين فعل الشر ، فكم من عرض حفظوه قبل أن يدنس ، وكم من جريمة ضبطوها ، وكم من خمور أهرقوها ، وكم من مخدرات عثروا عليها ، وكم من منحرف اهتدى على أيديهم ، وكم من عاص ستروا عليه ،إنهم يمضون في الجهاد جل أوقاتهم على قلة مرتباتهم، ولكنهم لا يرجون من الناس جزاء ولا شكورا، وإنما يرجون من ربهم عفوا ورحمة وأجر عظيما، فما أحسن أثرهم على الناس وأسوأ أثر الناس عليهم، تضخم أخطائهم، ويشنع على أفعالهم ، ويتشفى بالحديث عنهم في المجالس حتى أصبحوا فاكهتها التي لا غنى لمرض القلوب عنها ، فيا لله ويا للعجب من ذلك الشامت، لم كل هذا التحامل والتشفي ؟ أليس كل بني آدم خطاء ؟

أليس الموظف يخطيء في بعض عمله ؟ والتاجر في بيعه وشرائه ؟ والمعلم في مدرسته ؟ والطبيب في عيادته ؟ فلماذا يُتغاضى عن هؤلاء وغيرهم ولا يتغاضى عن رجل الحسبة ؟ لماذا إذا أخطأ أحدهم بدأت تنتاشه الألسن والأقلام من كل حدب وصوب، لا يرقبون فيه ، بل وفي كل من كان على شاكلته إلا ولا ذمة

فاتقوا الله يا مسلمون واحفظوا ألسنتكم عن أعراضهم فإنهم بحاجة إلى مساعدتهم وإعانتهم والدعاء لهم بالنصر والتمكين .

اللهمَّ زينا بزينةِ الإيمانِ، واجعلنا هُداةً مهتدين،لا ضاليَن ولا مُضلين، بالمعروف آمرين، وعن المنكر ناهين، يا ربَّ العالمين، ألا وصلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه، إمام المتقين، وقائد الغرِّ المحجلين وعلى ألهِ وصحابته أجمعين .

وأرضى اللهمَّ عن الخلفاءِ الراشدين أبي بكرٍ وعمر وعثمان وعلي

اللهمَّ آمنا في الأوطانِ والدُور، وأصلحِ الأئمةَ وولاةِ الأمورِ، يا عزيزُ يا غفور، سبحان ربك رب العزة عما يصفون.

[1] نقلا من حقيقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر د / العمار ص51 .

[2] شرح صحيح مسلم 2/22/32 .

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ..

إخوةَّ الإسلام (المبادرة) لفظٌ جميل ، ومعنى عظيم توحي بالجديةَّ ، وتشعر بالعزيمة ، وتنبيءُ عن علوّ الهمة والمتأملُ في كتاب اللهِ وفي السُّنة النبوية يجد ( المبادرة ) أو ما يماثلها وتقاربها من الألفاظ (كالمسارعة ، والمسابقة) كثيرةً ، ولكن (المسارعة) في القرآن أكثر و (المبادرة) في الحديث أكثر ، أما (المسابقة) فقد وردت فيهما على السواء ( نظرة النعيم 8 / 3388 ) .

وأهل اللغةِ يقولون: المسارعة إلى الشيء المبادرة إليه ( لسان العرب 8 / 151 ) .

وقد تجتمع لفظةُ (المسارعة) و (المسابقة) في آيةٍ واحدة ويوصف بذلك أصحاب الإيمان والخشية كما في قوله تعالى: (( أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ) ) (سورة المؤمنون:61) .

فما الفرقُ هنا بين المسارعة والمسابقة ؟

قال المفسرون: يسارعون أي يسابقون مَنْ سابقهم إليها ، ومعنى: (سابقون) السبقُّ إلى أوقاتِها ، وكلَّ من تقدم في شيء فهو سابقُ إليه (تفسير القرطبي 12: 133) (نظرة النعيم 8:3394) .

أيها المسلمون المبادرة والمسارعة إلى الخيرات أمرٌ دعى إليه القرآن، وحثَّ عليه الإسلام قال تعالى: (( فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ ) ) (سورة البقرة:148) ، (( وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ) ) (سورة آل عمران: 133) .

وفي ذلك حثٌ واستعجال على جميع الطاعات ( القرطبي 4 / 203 )

وقال عليه الصلاة والسلام: (( بادروا بالأعمال ) ), (( والتؤدة في كل شيء إلا في عمل الآخرة ) )صححه الحاكم ووافقه الذهبي )

فكيف حالُنا مع المبادرة ؟ وكيف كان حالُ أسلافنا ؟

لماذا يعترينا الضعفٌ أحياناً في المبادرة ؟ وما هي الأمورُ المعينةُ على المبادرة ؟

لقد شهد تاريخُنا المجيد ألواناً من المبادرات الخيّرة ودلل أسلافنا على أنهم أهلُ مبادراتٍ ومسارعةِ إلى الخيرات

وهذا محمدٌ r صاحبُ المبادرات وإمامُ المسارعين للخيرات .. ومن يقرأُ سيرتَه يقف على الكثير من المبادرات لم يتوقف عنها في العهد المكي مع شدة وطأة الكفار وألوان المطاردة والحصار .. وها هو يدعو الخلق إلى الإسلام وهو محصورٌ في الشَّعب .. ويفتح الفرص لأصحابه للدعوة حتى ولو كان خارج إطارِ مكة .. والهجرتان إلى الحبشة نماذجُ عالية للمبادرة والدعوة .. أما دعوتُه العربَ r في المواسم .. ثم ذهابه إلى الطائف لدعوة ثقيف فكلُّ ذلك أدلةٌ واضحة على قيمة المبادرة ) في السيرة ثم كانت الهجرة للمدينة وما استتبعها من جهادٍ ودعوة مرحلةً متميزةً في المبادرات النبوية .

أجل لقد بادر وحيَّد اليهود بمعاهداتٍ شرقوا بها حتى نقضوها .. وبادر إلى بعث البعوث التعليمية والدعوية في المدينة وما جاورها ، ومهما نزل بالمسلمين من مصائب وابتلاءات لهذه البعوث والمعارك فقد أدت هذه المبادراتُ دورَها وطار صيتُ الإسلام في أرض العرب كلَّها .. بل تجاوزت مبادراتُ الرسول r أرض العربِ لتصل إلى أرض الروم وفارس يوم أن بعث النبي صلى الله عليه وسلم الرُسل وكتب الكتب لملوك الأرض يدعوهم إلى الله ويشرحُ لهم الإسلام ولم ينس قريشاً إذ بادرها بالحديبية ، وفتح مكة ودخل الناسُ في دين الله أفواجاً .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت