الكبائر والمعاصي
فهد بن عبد الرحمن العبيان
الرياض
غير محدد
ملخص الخطبة
1-أن المعاصي سبب لكل شر وبلاء في الدنيا والآخرة. 2- آثارها السيئة على الأفراد والجماعات. 3- ثلاثة أمور يعظم الذنب وخطره بسببها.
الخطبة الأولى
أما بعد:
أيها المؤمنون: اتقوا الله حق التقوى، واعلموا أن تقوى الله هي الزاد ليوم الرحيل،وهي وصية الله لعباده أجمعين: يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها .
عباد الله: إنه ما من شر وداء في الدنيا والآخرة إلا وسببه الذنوب والمعاصي، تأمل رعاك الله كتاب ربنا سبحانه حين قص علينا ما حل بالأمم السابقة من أنواع العقوبات جزاء معصية الله ومخالفة أمره، تأمل ما الذي أخرج الوالدين من الجنة، دار اللذة والنعيم إلى دار الآلام والأحزان. وتأمل ما الذي أخرج إبليس من ملكوت السماء وطرده ولعنه ومسخ ظاهره وباطنه وبدله بالقرب بعداً، وبالرحمة لعنة، وبالجنة ناراً، فهان على الله غاية الهوان وحل عليه غضب الرب، فمقته أكبر المقت، كل هذا بمخالفة أمر الله وارتكاب نهيه،وتأمل ما حل بالأمم المخالفة لرسل ربها كيف كان عذاب الله لها أليماً شديداً.
انظر ما حل بقوم نوح من الغرق فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوماً عمين .
وانظر ما حل بعاد قوم هود حيث سلط عليهم الريح العقيم ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم ، وانظر ما حل بقوم صالح عليه السلام حيث أرسل عليهم الصيحة فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين وانظر ما حل بقوم لوط حيث قلبت عليهم قراهم وأمطروا حجارة من السماء وأمطرنا عليهم مطراً فانظر كيف كان عاقبة المجرمين .
وانظر ما حل بفرعون وقومه حين كذبوا وكذا ما حل ببني إسرائيل، وهكذا تتوالي نذر الله على عباده الذين خالفوا أمره بأنواع العقوبات فكلاً أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون .
ما أهون الخلق على الله إذا هم خالفوا أمره، فكم أهلك من القرون بسبب عصيانهم وتكذيبهم.
أيها المؤمنون: المعاصي سبب كل عناء، وطريق كل شقاء، فما حلت بديار إلا أهلكتها، ولا فشت في مجتمعات إلا دمرتها، وما هلك من هلك إلا بالذنوب، وما نجا من نجا بعد رحمة الله إلا بالطاعة والتوبة، وإن ما يصيب الناس من ضر وضيق في أبدانهم وذرياتهم وأرزاقهم وأوطانهم إنما هو بسبب معاصيهم وما كسبته أيديهم وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون .
إنه لما طغت الماديات على كثير من الناس وأشربوا حب الدنيا،غفلوا عن إدراك سنن الله الكونية والنظر في آياته الشرعية التي بينت كيف كان حال من قبلهم من الأمم حين خالفوا أمر الله،وغفلوا كذلك عن إدراك أن ما أصابهم وما قد يصيبهم من بلاء وشدة ونقص إنما هو بسبب ذنوبهم، لذا لم يلتفتوا إلى محاسبة النفس وكفها عن غيها فانتشرت بذلك الفواحش وكثرت المنكرات واستبيحت المحرمات لغياب الرقيب وضعف الإيمان في النفوس وقلة الخوف من الله والجهل به سبحانه، فهانوا بذلك على الله ولو عزوا عليه لعصمهم.
عباد الله: إن ضرر المعاصي وشؤمها عظيم وخطير على الفرد والجماعات.
فأما أفراد الناس، فللمعصية أثر ظاهر لمن تأمل وأنار الله بصيرته، دل على ذلك النصوص الشرعية والواقع المشاهد.
فمن هذه الآثار:
-حرمان العلم، فهو نور يقذفه الله في القلب والمعصية تطفئه، قال مالك رحمه الله للشافعي لما رأى فطنته وذكاءه:"إني أرى الله قد ألقى على قلبك نوراً فلا تطفئه بظلمة المعصية".
-ومن الآثار حرمان الرزق كما في الأثر: (( إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه ) )أحمد.
-ومنها وحشة يجدها العاصي في قلبه، بينه وبين الله، وبينه وبين الناس، وكلما قويت هذه الوحشة بعد عن مجالسة أهل الخير وقرب من حزب الشيطان وأهله.
-ومنها تعسير الأمور فكما أن من يتق الله يجعل له من أمره يسراً فبخلافه من عصى الله.
-ومنها ظلمة يجدها العاصي في قلبه تقوى هذه الظلمة حتى تظهر على الوجه يراها كل أحد قال ابن عباس: (إن للحسنة ضياء في الوجه ونوراً في القلب، وإن للسيئة سواداً في الوجه وظلمة في القبر والقلب) .
-ومنها حرمان الطاعة.
-ومنها أن المعصية تورث الذل، فأبى الله إلا أن يذل من عصاه من كان يريد العزة فلله العزة جميعاً .
-ومنها سوء الخاتمة، فإن العبد قد تخونه جوارحه أحوج ما يكون إليها، وأعظم من ذلك أن يخونه قلبه ولسانه عند احتضاره وقرب وفاته.
وأما آثار الذنوب والمعاصي على الأمة بأجمعها فكثيرة جداً قال تعالى: فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون .