فهرس الكتاب

الصفحة 8720 من 9994

إن الحصنَ الحصينَ، والسياجَ المنيعَ للأمة، هو الأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكر، به تُحفظُ معالمُ الدين، وتُصانُ حرماتُ المسلمين ، إنَّهُ مجاهدةٌ دائمة، يقوم بها كلُ مسلم ، يستفرغُ وسعَه وجهدَهُ في ذلك ، لا أن يكون السعيُ جهوداً مبعثرةً في ساعاتٍ متفرقةٍ، حسب هوى النفسِ ورغبتِها ، ولكنهُ مجاهدةٌ دائمةٌ، من أجل بقاءِ أعلامِ الدينِ ظاهرةً ، والمنكراتِ مدحورةً،

قال الإمامُ الغزاليُ- رحمه الله-: ( إنَّ الأمرَ بالمعروف والنهيَ عن المنكرِ هو القطبُ الأعظمُ في الدين ، وهو المهمُ الذي ابتعث اللهُ له النبيين أجمعين ) [2] وقال ابنُ حزم: ( اتفقت الأمةُ كلُها على وجوبِ الأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكر بلا خلافٍ من أحدٍ منها ) [3] وقد عدهُ فاروقُ هذِه الأمةِ شرطاً رئيسياً في الانتماءِ إلى صفوفِ هذه الأمةِ ، فقد قرأ قولَه تعالى: (( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ) )ثم قال: ( أيُّها الناس: من سرهُ أن يكون من تلك الأمةِ فليؤدِّ شرطَ الله منها ) [4] .

ثامناً: مناصحةُ هؤلاءِ الذين انحرفوا عن الصراطِ، ومالوا إلى عدوهِم، واغتروا بما هم عليه من ضلالٍ وانحرافٍ، من خلالِ زيارتهِم، والحديثِ معهم أو عبرَ الرسالةِ الخطية إليهم، أو من خلالِ البريد الإلكتروني، إنَّ الكتابةَ لمثلِ هؤلاءِ يجعلهُم أمامَ الأمرِ الواقعِ، من أن المجتمعَ يرفضُ هذا النشازَ الذي يكتبونه ويصدرونه للأمة، وأيضاً لعلهم يهتدون .

تاسعاً: مناصحةُ المسؤولين والكتابةُ إليهم، وقد شاءَ اللهُ تعالى أن يختصَ بنفسِه بالكمال ، وأرادَ أن يكون لدى الإنسان مثالبُ وجوانبُ قصور، مهما بلغَ من العلمِ والتقوى والورعِ، والنجابةِ والحكمة ، وهذا ما يجعلُهُ في حاجةٍ إلى من يُشركهُ أمرَه ويَشد به أزره ، وأحوجُ الناسِ إلى ذلك هُم أصحابُ الأماناتِ الكبرى والولاياتُ العظمى ، حتى الأنبياءَ رضوان الله عليهم مع عصمتِهم وتأييدِهم بالوحي ، احتاجوا إلى الحواريين والأصحابِ والبطانةِ الصالحة ، فعند البخاري من حديث أبي سعيدٍ الخدري وأبي هريرة- رضي الله عنهما- أن رسول الله r قال: (( ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان: بطانةُ تأمره بالمعروف وتحضه عليه ، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه والمعصوم من عصمه الله ) )وعند أبي داود بإسنادٍ جيد، من حديث عائشة قول رسول الله r: (( إذا أراد اللهُ بالأمير خيراً جعل له وزير صدق ، إن نسي ذكَّره ، وإن ذكر أعانهُ ، وإذا أراد اللهُ به غير ذلك جعل لهُ وزير سُوءٍ إن نسي لم يذكره ، وإن ذكر لم يعنه ) ).

لذا فإنَّ القائمين على شؤونِ الأمةِ بحاجةٍ إلى من يعينهم على حملِ المسؤولية ، ومن يبصرهم السداد ، ويأخذُ على أيديهم عند الخطل ، ويحجزهم عن الغوايةِ ، ويقدمُ لهم المشورة الحكيمة .

ألا إنَّها دعوةٌ أوجهها إلى الغيورين على حُرماتِ المسلمين ومصالحِهم ، إلى من أدركوا فسادَ الوضع ، وخطورةَ الموقفِ ، وضرورةَ الأخذِ بالمبدأ القائل: لن يصلحَ آخرُ هذه الأمة إلاَّ ما أصلحَ به أولها""

ألا إنَّها دعوةٌ لأن ينفضوا الغبارَ، ويراقبوا الجبارَ، ويهبُّوا جميعاً، ويرسلوها صيحةَ حقٍ ، ودعوةَ هُدى إلى إصلاحِ ما اعوج من أمرِ المسلمين ، وإلى إقامةِ ما فسد من أمرِ الأمة .

ألا إنَّها دعوةٌ لأولئك المتقاعسين عن الأمرِ بالمعروف والنهي عن المنكر، إمَّا تهاوناً أو تفريطاً، أو اعتماداً على غيرهم من رجالِ الحِسبة ـ وفقهم الله ـ أو تسويفاً أو جبناً يلقيهِ الشيطانُ على قلوبهم، وتخويفاً أن يتقوا الله في مجتمعِهم، الذي يُجرجرُ إلى الهاويةِ وهم يُشاهدون وينظرون ولا يتحركون، قال r: (( ألا لا يمنعنَّ أحدَكم رهبةُ الناسِ أن يقول بحقٍ إذا رآهُ أو شهده ، فإنَّهُ لا يقربُ من أجل ، ولا يُباعدُ من رزقِ أن يقولَ بحقٍ أو يذكر بعظيم ) ) [5]

ألا إنَّها دعوةٌ لتلبية نداء: (( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطيع فبلسانه ، فإن لم يستطيع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان ) ) [6]

وإنَّ مما يشرحُ صدورَنا، ويثلجُ قلوبنَا، أنَّ اللهَ تعالى وعدَ عبادَه المتقين بالنصرِ والتمكين متى ما حققوا شرطَهُ، يقول جلَّ جلاله: (( إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ) ) (محمد: من الآية7) .

هذا وصلوا رحمكم الله على النبي العظيم، والمرشد الكريم .

[1] انظر: الظلال (1/447) بتصرف .

[2] الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - الغزالي ، تحقيق سيد إبراهيم (ص 5) .

[3] الفصل في المملل 5/19 ت محمد نصر ..

[4] فتح القدير 1/453 ت عبد الرحمن عميرة

[5] أخرجه أحمد 3/50ورقمه 11492من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه .

[6] رواه مسلم (49) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه .

الخطبة الأولى

إنَّ الْحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، ومِنْ َسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ له ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ - وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ - وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ - صلي الله عليه وسلم .

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } [آل عمران:102] .

{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا } [النساء:1] .

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا . يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا } [الأحزاب:70-71] .

أَمَّا بَعْدُ:

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار

أَمَّا بَعْدُ:

فإن مهمة ورسالة المسيح عليه السلام هي ما أطلق عليه المسيح نفسه الأعمال التي أناطها الله به لكي ينجزها وهذه المهمة والرسالة محددة داخل نطاق معين لا تتجاوزه.

وهذا النطاق حدده المسيح نفسه، كما جاء في إنجيل متى 15/ 24 إذ يقول في هذا الصدد:"فأجاب وقال لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة"هذا نص كلام المسيح في إنجيل متى في الموضع المذكور، وهذا النص من كلام المسيح عليه السلام قاطع الدلالة على أن المسيح من أنبياء بني إسرائيل، وأنه أرسل فقط إلى من له صفتان:

الأولى: أن يكون من بيت إسرائيل.

والثانية: أن يكون من الخراف الضالة.

والبابا بندكت وإن كان خروفا من الخراف الضالة، إلا أنه ألماني آري، وليس من بيت إسرائيل، فليس ساميا، والمسيح عليه السلام، لم يقل إنما أرسلت إلى خراف ألمانيا الضالة، ولا إلى خراف أوربا الضالة، ولا إلى خراف أمريكا الضالة، وإنما قال أرسلت إلى خراف بيت إسرائيل الضالة.

فلماذا تنتسب خراف الغرب الضالة إلى المسيح ولم يرسل إليهم ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت